عرفت المقاربات السعودية للوضع اللبناني تغيرات بطيئة غالبا، ونادراً سريعة ومفاجئة، على غرار الموقف العالي النبرة لوزير خارجية المملكة الامير سعود الفيصل من شرم الشيخ، معلنا رفع ايدي السعودية عن الوساطة، ونافياً المضامين التي ألبستها القيادة السورية و"حزب الله" وحلفاؤه لما عرف بـ"تفاهم السين – سين" الذي اصبح من الماضي.
في الاصل، مجرد عودة الامير الفيصل الى الضوء لتناول الشأن اللبناني يعني الكثير، بالنظر الى الاتفاق السابق الملكي – الرئاسي السوري القاضي بحصر ملف قضية لبنان في المملكة بالملك عبدالله ممثلا بنجله ومستشاره الامير عبد العزيز، في مقابل ابعاد هذا الملف من الجانب السوري عن متناول وزير الخارجية فاروق الشرع والضباط وحصره بيد الرئيس بشار الاسد شخصيا. كان معبِّرا بعد اشهر من محاولات التفاهم بين الرياض ودمشق ان يظهر في نيويورك حول الملك لدى تناوله موضوع لبنان مع الرئيس الاميركي باراك اوباما، الامراء الثلاثة: سعود الفيصل ومقرن بن عبد العزيز وبندر بن سلطان، والذين يشكلون رباعيا مع وزير الثقافة والاعلام الخبير في الشأن اللبناني الدكتور عبد العزيز خوجة.
ومن نيويورك لم يتصل الملك عبدالله بالرئيس الاسد لإبلاغه وقف الوساطة السعودية، بل كلف نجله الامير عبد العزيز هذه المهمة. تماما كما كان لافتا ان تسمي وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في طريقها جوا من اميركا الى الامارات السعوديين والفرنسيين والمصريين، في سياق اعلانها الدول التي تنسق معها واشنطن في متابعة قضية لبنان، مسقطة بهذين الترتيب والحصرية اي دور للسوريين الذين اندفعوا على الاثر في اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري على قاعدة "التحدي وردّ التحدي" الشهيرة، ولكن ايضا وفقا لمفهوم راسخ وقديم خبره اللبنانيون طويلا مع السوريين في رفضهم العنيد لكل ما هو "تعريب" و"تدويل" على السواء للأزمة اللبنانية منذ 1975.
وعندما اعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نيته السعي الى "مجموعة الاتصال" من اجل لبنان، كان وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط أول المعترضين على الدور التركي في مقابل استبعاد او تهميش الدور المصري، وسرعان ما سُوِّي الامر. أبو الغيط لم يكن يخفي اصلا التبرم المصري من مسار ما عرف بـ"السين – سين"، وكانت زيارته للسعودية التي قابلتها فورا زيارة الامير سعود الفيصل لمصر قبل ثلاثة اشهر مقدمة لعودة تفاهم من نوع آخر بين البلدين على الشأن اللبناني. ومع تقدم الاتصالات من اجل تشكيل "مجموعة الاتصال" بناء على الاقتراح الفرنسي، طالب الجانب السوري بالعودة الى "السين – سين" مستفزاً الجانب الآخر، السعودي، الذي عبَّر عنه الامير الفيصل في شرم الشيخ، مستنكرا تضمين بنود التفاهم في دمشق وعبر الاعلام اللبناني الحليف لها والشخصيات السياسية المعارضة ما لم يتضمنه الاتفاق، لا سيما ما سُرِّب وأشيع عن تخلي الحكومة اللبنانية عن التزاماتها حيال المحكمة الدولية، ومستذكراً كل الخطوات السلبية التي قوبلت بها مواقف الرئيس سعد الحريري التي اعلنها بدفع سعودي حيال سوريا و"حزب الله" وفريقه على السواء. يبقى سؤالان مخيفان: لماذا يتحدث السعوديون عن حرب اهلية وتقسيم في لبنان؟ ماذا ستفعل القيادة السورية بعدما تبين ان الموفدين القطري والتركي لا يحملان جديداً وان السعودية رمت القفاز فجأة رافضة التلطي وراءها بعد اليوم؟