#dfp #adsense

“خذوا المحكمة وسنأخذ لبنان”

حجم الخط

الحل الإقليمي الدولي يرفض خطط دمشق وحلفائها
"خذوا المحكمة وسنأخذ لبنان"

"قدّم نظام الرئيس بشار الأسد تعهدات سرية الى قيادة "حزب الله" والى القيادة الايرانية التزم فيها رفض عقد أي صفقة سياسية مع السعودية لمعالجة الأزمة اللبنانية وضمان استمرار التهدئة الأمنية والسياسية وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري، اذا لم تؤد هذه الصفقة الى تعطيل عمل المحكمة الخاصة والى منع صدور القرار الاتهامي. هذه التعهدات دفعت المسؤولين الايرانيين وحلفاء دمشق الى تأييد المسعى السعودي – السوري المشروط، من وجهة نظرهم، باسقاط المحكمة. وحين فشلت الجهود المشتركة السعودية – السورية في انجاز تعهدات الأسد نتيجة رفض السعودية والحريري والدول الحريصة على مصير لبنان وقف عمل المحكمة لانهاء واقع دولي شرعي قانوني غير قابل للسقوط بقرار سياسي، اتخذ النظام السوري موقفاً تصعيدياً متشدداً وقرر الذهاب الى النهاية مع حلفائه في معركة تعطيل المحكمة مستخدماً مختلف الوسائل المتاحة والممكنة. وقد شكلت العملية التغييرية التي قام بها "حزب الله" وحلفاؤه بالتفاهم التام مع دمشق وأدت الى اسقاط حكومة الحريري تمهيداً لتأليف حكومة تنفذ مطالب القيادتين السورية والايرانية، الخطوة الأساسية الأولى في معركة المواجهة الجديدة مع المحكمة والاستقلاليين ومع سائر الدول العربية والأجنبية الداعمة لمسار العدالة الدولية واستقلال لبنان وسيادته. ووفقاً لما قاله مسؤول سوري بارز لوزير أوروبي: "ان تمسك الحريري بالمحكمة يلغي مبرر وجود حكومته".

هذه المعلومات الخاصة تلقتها جهات أوروبية رسمية من بيروت ودمشق وطهران وهي تعكس خطورة التحديات والتهديدات التي يواجهها لبنان في المرحلة المقبلة والتي تتجاوز اطار انتقال السلطة التنفيذية سلمياً من حكومة مستقيلة الى حكومة جديدة أخرى يتم التفاهم عليها بطريقة دستورية هادئة وطبيعية.

الواقع، وفقاً لمصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، ان نظام الأسد وحلفاءه أرادوا أساساً من خلال الاعتماد على المسعى المشترك السعودي – السوري تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي الآتية:

أولاً – منع اللبنانيين والرأي العام العربي والدولي من الاطلاع على نص القرار الاتهامي الذي سيصدره المدعي العام الدولي القاضي دانيال بلمار والمفترض أن يكشف حقائق جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وربما حقائق جرائم أخرى مرتبطة بها، وذلك من خلال التوصل الى صفقة سياسية لبنانية – سورية – سعودية مدعومة دولياً يمنع بموجبها منع صدور هذا القرار.

ثانياً – تأمين الحماية لعناصر من "حزب الله" وربما لأشخاص غير لبنانيين من أي اتهام بالتورط في جريمة اغتيال الحريري قد يوجهه اليهم المدعي العام الدولي. وتحقيق ذلك يتطلب منع صدور القرار الاتهامي واقفال ملف هذه الجريمة السياسية – الارهابية نهائياً.

ثالثاً – نجاح عملية اسقاط المحكمة ومنع نشر القرار الاتهامي يسددان ضربة كبيرة الى الاستقلاليين تمهّد لحصول تحول سياسي كبير في لبنان لمصلحة نظام الأسد وحلفائه وذلك للمرة الأولى منذ الانسحاب السوري من هذا البلد في نيسان 2005.

وضمن هذا السياق قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "ان ما يثير قلق المسؤولين السوريين وحلفائهم ليس ان المحكمة مسيسة، كما يرددون علناً، أو ان قرارها الاتهامي سيكون ضعيفاً وخالياً من الأدلة والقرائن الجدية، اذ ان ذلك ينهي عمل المحكمة دونما حاجة الى شن حرب عليها وعقد صفقة لاطاحتها. لكن ما يثير قلق السوريين وحلفائهم فعلاً هو أن المحكمة الخاصة قائمة وتعمل بكل أجهزتها وعناصرها وتلقى دعماً دولياً واقليمياً ولبنانياً واسعاً جداً ليس له سابق وتسعى بكل ثقة وتصميم، متجاوزة مختلف العقبات والمصاعب، الى كشف حقائق جريمة اغتيال الحريري وجرائم أخرى مرتبطة بها ومحاسبة المتورطين فيها. ذلك ان المسؤولين السوريين وحلفاءهم يدركون، ولو لم يعترفوا بذلك علناً، أن المحكمة الخاصة أثبتت بأعمالها وقراراتها وإجراءاتها انها ليست مسيسة وليست خاضعة لأي ضغوط سياسية اذ انها هي التي أفرجت عن الضباط اللبنانيين الأربعة المقربين من دمشق قبل فترة قصيرة من انتخابات حزيران 2009 وهي التي خصصت وتخصص وقتاً وجهداً للنظر في طلب اللواء جميل السيد، حليف دمشق و "حزب الله"، الحصول على مستندات في ملف التحقيق في جريمة اغتيال الحريري من أجل تقديم شكوى في موضوع شهود الزور. ولو كانت المحكمة مسيسة ومنحازة الى الاستقلاليين لما كانت تصرفت بهذه الطريقة. فالمحكمة منحازة الى العدالة وقضاتها حريصون على تأمين هذه العدالة وفقاً لأعلى المعايير القانونية واستناداً الى أدلة وقرائن ومعطيات قوية وصلبة وقاطعة حصلت عليها لجنة التحقيق الدولية نتيجة جهود استمرت أكثر من خمس سنوات. وهذا ما يثير قلق خصوم المحكمة ومخاوفهم الجدية منها ومن قراراتها".

فشل رهانات دمشق وحلفائها

لكن ما حدث، وفقاً للمصادر الأوروبية المطلعة، هو العكس اذ ان رهان المسؤولين السوريين وحلفائهم على المسعى السعودي – السوري لاسقاط المحكمة قد فشل فخسروا هذه المعركة لأنهم لم يتمكنوا من تأمين كل مطالبهم الأساسية وهي الآتية:
أولاً – فشل النظام السوري وحلفاؤه في نزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة ومنع صدور القرار الاتهامي ووقف مسيرة العدالة الدولية التي تثير قلقاً جدياً لديهم، بل ان العد العكسي لاعلان القرار الاتهامي قد بدأ.

ثانياً – فشل النظام السوري وحلفاؤه في الحاق الهزيمة بالحريري والاستقلاليين ودفعهم الى الرضوخ لمطالبهم والموافقة تالياً على رفض القرار الاتهامي قبل صدوره واتخاذ سلسلة خطوات لتعطيل عمل المحكمة. وفوجئ "حزب الله" وحلفاؤه بصلابة مواقف الحريري والاستقلاليين الذين لم يصابوا بالذعر والهلع نتيجة حملات الحزب البالغة القسوة عليهم.

ثالثاً – فشل النظام السوري في التوصل الى صيغة تفاهم مع السعودية تؤمن مطالبه ومطالب حلفائه وتؤدي الى تعطيل عمل المحكمة.

رابعاً – فشل النظام السوري وحلفاؤه في تغيير موازين القوى السياسية والشعبية في لبنان لمصلحتهم اذ انهم لم يتمكنوا من توسيع مساحة نفوذهم ومن تأمين أي من مطالبهم المرتبطة بعمل المحكمة. بل يبدو من معلومات جهات أوروبية رسمية معنية بالأمر أن ثمة قلقاً كبيراً في صفوف أنصار "حزب الله" وحلفائه، وخصوصاً في أوساط المسيحيين منهم، من تطورات المعركة مع المحكمة ومع المجتمع الدولي التي لم تحقق لهم أي مكاسب اذ ان اسقاط حكومة الحريري ليس مكسباً، ومن تداعيات هذه المعركة ومن احتمالات تفجير الأوضاع لمحاولة تأمين الحماية لعناصر من الحزب ولأشخاص غير لبنانيين من أي اتهام قد يوجهه اليهم المدعي العام الدولي.

خامساً – فشل النظام السوري وحلفاؤه في تأمين دعم دولي وعربي واقليمي لمواقفهم ومطالبهم اذ ان سائر الدول المعنية بالأمر، بما فيها تلك التي تربطها علاقات جيدة بدمشق وحلفائها كروسيا وتركيا وقطر وغيرها، تدعم عمل المحكمة وترفض تجاوز العدالة والدخول في مواجهة مع مجلس الأمن لارضاء سوريا وتدعو الى انتظار صدور القرار الاتهامي للحكم عليه وترفض استخدام العنف والسلاح للرد عليه. والدولة الوحيدة التي تدعم مطالب سوريا وحلفائها هي ايران لأنها شريك أساسي في عملية اسقاط المحكمة.

وفي رأي ديبلوماسي أوروبي مطلع ان "نظام الأسد وحلفاءه أرادوا تحقيق هدفين رئيسيين من خلال اسقاط حكومة الحريري، وهي عملية دستورية سهلة أساساً وان تكن تتناقض كلياً مع اتفاق الدوحة ومع منطق المشاركة الوطنية في السلطة ومع الحرص على معالجة المشاكل العالقة بالحوار والتفاهم: الهدف الأول هو محاولة التعويض شعبياً واعلامياً لفشل السوريين وحلفائهم في تحقيق أي من أهدافهم في معركتهم مع المحكمة، والهدف الثاني هو اثبات قدرة السوريين وحلفائهم على التعطيل ودفع الأوضاع نحو المجهول ومحاولة تعزيز موقعهم التفاوضي مع الدول والجهات البارزة والمؤثرة". وقال: "ان لجوء نظام الأسد وحلفائه الى التشدد والتصلب ومحاولة تعقيد الأمور يزيد تصميم الدول البارزة والمؤثرة على التمسك بالمحكمة وعلى دعم لبنان المستقل والقوى الاستقلالية".

صيغة متوازنة لإنقاذ لبنان

واستناداً الى المصادر الأوروبية المطلعة فان جهات أوروبية وأميركية رسمية معنية مباشرة بهذه القضية تبني تحركاتها واتصالاتها على أساس ان المطلوب من نظام الأسد وحلفائه ليس التمسك بمواقف متشددة خطرة غير قابلة للتنفيذ، بل ان المطلوب منهم اتخاذ مجموعة مواقف وخطوات أساسية جديدة للتوصل الى صيغة سلمية عادلة ومتوازنة تنقذ لبنان من مأزقه الكبير، وهذه المواقف والخطوات هي الآتية:

أولاً – يجب أن يتعامل نظام الأسد وحلفاؤه بحكمة وتواضع وواقعية ومرونة مع المحكمة ومع خصومهم السياسيين ومع الدول المعنية بالأمر من أجل انجاز صفقة سلام مناسبة يستحيل التوصل اليها اذا ظلوا متمسكين بمواقفهم المتشددة وبمطالبهم القصوى.

ثانياً – يجب وضع حد نهائي لمعركة دمشق وحلفائها مع المحكمة لأن هذه المعركة ليست مجدية ولن تحقق مكاسب للقائمين بها بل انها تثير توتراً واحتقاناً وتشنجاً بين الأفرقاء اللبنانيين وبين لبنان وسوريا مما يهدد بانعكاسات سلبية وخطرة تلحق الأضرار بالجميع.

ثالثاً – يجب التوقف عن تحميل سعد الحريري والاستقلاليين مسؤولية المأزق الخطر الحالي الناتج أساساً من اغتيال رفيق الحريري ورفاقه ومجموعة من الشخصيات الوطنية خلال مرحلة المواجهة مع نظام الأسد. ومطالبة الحريري والاستقلاليين بتقديم كل التنازلات لارضاء دمشق وحلفائها لن يجدي نفعاً ولن يؤدي الى انجاز أي صفقة عادلة ومتوازنة.

رابعاً – يجب أن ينتقل "حزب الله" وحلفاؤه من مرحلة التهديد والتهويل الى مرحلة التهدئة والحوار والسعي الجدي الى التوصل الى تفاهم متوازن وعادل مع الحريري والاستقلاليين قبل اعلان القرار الاتهامي يحقق العدالة والاستقرار معاً. ومثل هذا التفاهم يتطلب تأمين حق اللبنانيين المشروع في وقف نهج الاغتيالات والتمسك بالمحكمة على أساس أن تعمل استناداً الى أعلى المعايير القانونية وبعيداً من أي تسييس كما يتطلب هذا التفاهم ان تؤخذ في الحسبان الهواجس المشروعة للفريق الآخر مع التمسك بالحصول على ضمانات حقيقية تتجاوز الوعود الكلامية لحظر استخدام العنف والسلاح في الصراع السياسي الداخلي.

خامساً – يجب أن يقتنع "حزب الله" وحلفاؤه بأنه لا مفر من صدور القرار الاتهامي وبأن الصفقة السياسية تقوم على أساس تنازلات متبادلة وليس على أساس تنازلات يقدمها فريق واحد وخصوصاً اذا كان هذا الفريق في حال الدفاع عن النفس وصاحب الحق المشروع في انجاز العدالة، وكذلك يجب أن يوافق "حزب الله" على تقديم التنازل الأساسي المطلوب لانجاز صفقة سلمية متوازنة وهو الاعتراف بحق اللبنانيين المشروع في معرفة حقائق هذه الجرائم السياسية – الارهابية ومحاسبة المتورطين فيها أمام المحكمة الخاصة. وبعد تقبله هذا الواقع يستطيع "حزب الله" أن يطلب ضمانات وتعهدات من الفريق الآخر تنص على رفض أي قرار اتهامي يستند الى معلومات خاطئة ومضللة وليس الى أدلة قوية وصلبة وقاطعة.

وذكر لنا مسؤول أوروبي مطلع ان حصيلة المشاورات الفرنسية – الأميركية – السورية – العربية – الدولية أظهرت ان نظام الأسد وحلفاءه يتمسكون بمعادلة "كل شيء أو لا شيء" وانهم يرفضون صفقة سياسية تحقق العدالة والاستقرار معاً وتطمئن اللبنانيين لأن ذلك يعني استمرار عمل المحكمة، كما انهم يرفضون التعامل مع تداعيات القرار الاتهامي بالوسائل القانونية المشروعة بل انهم يريدون الغاء هذا القرار".

وقال هذا المسؤول الأوروبي: "يبدو واضحاً من حصيلة الاتصالات مع دمشق وبيروت ان نظام الأسد وحلفاءه مستعدون للمجازفة بكل شيء وخوض معركة قاسية وطويلة مع المحكمة وأنصارها ومع الدول الداعمة لها وهم ليسوا مهتمين فعلاً بمصير لبنان وبالمصالح الحيوية للبنانيين الحيوية وبالأخطار الناتجة من خيارهم هذا الذي يدفع البلد نحو المجهول".

وأضاف: "ان ما يثير استياء الرئيس السوري فعلاً هو ان الدول العربية والاقليمية والأجنبية البارزة والمؤثرة تبدي اهتماماً حقيقياً بمطالب الاستقلاليين وحرصاً جدياً على استقلال لبنان وسيادته وعلى المحكمة بينما ترفض مواقف سوريا ومطالبها وترفض كذلك عقد صفقة مع الأسد على حساب اللبنانيين. ولذلك أبدى الأسد انزعاجاً حقيقياً من اقتراح الرئيس نيكولا ساركوزي تشكيل مجموعة اتصال دولية – اقليمية تضم لبنان وفرنسا والولايات المتحدة والسعودية وتركيا وسوريا ومصر وقطر هدفها تأمين مظلة حماية للبنان وللدولة ومؤسساتها الشرعية وللمحكمة ودفع اللبنانيين الى التفاهم على صيغة حل للأزمة مقبولة لدى كل الأفرقاء تحقق العدالة والاستقرار معاً. والجهود التركية – القطرية تهدف أيضاً الى تحقيق العدالة والاستقرار معاً والى تأمين مظلة حماية لعمل المحكمة. وما يريده النظام السوري فعلاً هو أن يتولى مع حلفائه معالجة شؤون لبنان على طريقته ووفقاً لخططه وتصوراته وبقطع النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه اللبنانيون".

وخلص المسؤول الأوروبي الى "ان نظام الأسد وحلفاءه يتمسكون بشعار غير معلن هو: "خذوا المحكمة وسنأخذ نحن لبنان". والمشكلة بالنسبة اليهم انهم لن يتمكنوا من أخذ لبنان والسيطرة عليه بل انهم سيواجهون في وقت واحد قراراً اتهامياً ومحكمة تلقى دعماً دولياً وعربياً واقليمياُ ولبنانياً واسعاً ودولاً عدة معارضة لهم تملك قدرات وامكانات كبيرة لاحباط خططهم".

المصدر:
النهار

خبر عاجل