كتب نديم قطيش في صحيفة "اللواء": قبل أقل من سنة بأسابيع قليلة أطل رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في مناسبة الرابع عشر من شباط 2010 على جمهور يشعر بالخيبة. كان مضى على زيارته الأولى الى دمشق نحو سبعة اسابيع فقط لم يتسنّ له خلالها الحديث الى جمهوره وجمهور انتفاضة الإستقلال.
يومها قال الحريري انه جزء من سياسة كبرى في المنطقة، واعتبر ان الزيارة الى دمشق "كانت جزءاً من نافذةٍ كبرى، فتحها الملك عبد الله بن عبد العزيز"، في إشارة الى مصالحة قمة الكويت بين المملكة العربية السعودية وسوريا في 19 كانون الثاني 2009، وأنه "بكل صراحة وصدق ومسؤولية، أمينٌ على إبقاء هذه النافذة مفتوحة، والشروع في بناء مرحلة جديدة من العلاقات بين لبنان وسوريا، من دولةٍ سيدةٍ حرةٍ مستقلة، إلى دولةٍ سيدةٍ حرةٍ مستقلة"، على قاعدة ان "الاستقرار في مصلحة لبنان أولاً، والمصالحة العربية في مصلحة لبنان أولاً، والتضامن في مواجهة التهديدات الإسرائيلية في مصلحة لبنان أولاً، وتعطيل أسباب الفتنة الداخلية في مصلحة لبنان أولاً".
إعلان الحريري هذا، أنه جزء من سياسة كبرى في المنطقة، كان يرتكز الى منطلقين إثنين. أولاً أنه كان لدى الحريري ما يقنعه، نظرياً على الاقل، أنه أمام فرصة في العلاقات اللبنانية السورية لم تسنح لأي رئيس حكومة لبناني من قبل، بمن فيهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، توفرها مراقبة عربية ودولية غير مسبوقة للتطبيع بين بيروت ودمشق. وثانياً أن أي فشل قد يصيب هذه السياسة الكبرى ينبغى أن يكون لأسباب سورية وليس لأسباب حريرية.
وعليه مضى الحريري قدماً في إجراءات التطبيع وكان يدرك أن المحكمة ستكون على طاولة البحث في لحظة من لحظات التسوية، هذا إذا ما نجحت تجربة مراكمة التفاهمات اللبنانية السورية بما يسمح الوصول الى علاقة "جديدة" بين البلدين. غير أن خطوات التطبيع التي كان يخطوها الحريري كانت تقابل على الدوام بخطوات "إذلال سياسي" من قبل دمشق. كانت اولى خطوات الإذلال إطلالة أمين سر حركة فتح الإنتفاضة العقيد سعيد موسى، الملقّب بـ"أبوموسى"، من صيدا، بعد أقلّ من شهر على زيارة الحريري إلى دمشق، رافضاً إلغاء وجود السلاح الفلسطيني، وبالمطلق، خارج المخيمات الفلسطينية في لبنان• وكانت آخر خطوات "الإذلال" مذكرات توقيف بحق 33 شخصية يشكل معظمها النخاع الشوكي لفريق الحريري السياسي والامني والاعلامي.
وما بين المثلين أعلاه لم تغامر دمشق مرة واحدة باعطاء انطباع أن ثمة ما تغير في رؤيتها وسلوكها وفهمها وعواطفها حيال لبنان.
مقابل ذلك لم يغامر الحريري مرة واحدة بإسقاط "غصن الزيتون" من يده. وحين ادلى الحريري بتصريحه الشهير الى صحيفة "الشرق الاوسط" يوم السادس من ايلول 2010، معترفاً بوجود شهود الزور وبأثرهم السلبي على العلاقات اللبنانية – اللبنانية واللبنانية – السورية، كان يعلن أنه ماضٍ في الإتجاه الذي رسمته الرياض لتطبيع العلاقات مع دمشق من دون تردد.
عند هذه النقطة، يقول العارفون بخفايا المداولات السورية السعودية أن ما كان يبدو خسائر سياسية وشعبية يتكبدها الحريري كان في الواقع استثماراً جاداً في تسوية شاملة، تنطوي على تفاهم بشأن المحكمة.
ويكشف النائب وليد جنبلاط للمقربين منه أنه سأل الحريري في اللقاء الاخير الذي جمعهما في كليمنصو، قبل أن يتوجه الأخير الى قصر بعبدا للقاء الرئيس ميشال سليمان ومخاطبة اللبنانيين بكلمة مكتوبة، عما إذا كان تعهد بوقف التمويل وسحب القضاة وإلغاء مذكرة التفاهم بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، وأن الحريري أجابه بالإيجاب. وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد كشف عن موافقة الحريري والرياض على هذه البنود الثلاثة، في خطابه الأخير يوم الاحد الفائت.
مصدر مقرب من الحريري يقول إن هذا الإتفاق كان جزءا من هندسة متكاملة وأنه التزم تنفيذ هذه التعهدات بعد تنفيذ دمشق و"حزب الله" سلسلة شروط اساسية ابرزها ترسيم الحدود اللبنانية السورية وتفكيك السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وسحب السلاح من العاصمة بيروت وتفعيل عمل الحكومة وإعلان الالتزام بإتفاق الطائف إطاراً وحيدا لتنظيم العلاقات بين اللبنانيين.
ويلفت المصدر الى أن تصريح وزير الخارجية السعودية الامير سعود الفيصل تحدث عن رفع المملكة يدها عن "إتفاقات"، وليس عن جهود او إلتزامات او مساعي، مع ما يعنيه ذلك من تحرير الحريري من اي التزامات سابقة يمكن ان تستثمر في سياق إخراج هذه "التنازلات" من سياقها وتحويلها الى بنود معاهدة استسلام يراد لها أن تفرض على الحريري•
لماذا انهارت التسوية؟
يقول مصدر مطلع إنّ ما يكفي "حزب الله" من عناصر التسوية لا يكفي سوريا، وان ما تريده سوريا لا يمكن لأحد أن يقدّمه: إلغاء المحكمة. أضف أنّ سوريا اعتادت أن تقبض أولا، وكان المطلوب منها أن تدفع أولا هذه المرة، فوقع الخلاف.
من جهة أخرى يكفي "حزب الله" ان يتوقف التعاون بين لبنان والمحكمة، أي بين فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي وبين المحكمة ولجنة التحقيق الدولية، باعتبار أن الفرع هو الجهة الاستخباراتية الوحيدة التي تتعاطى جدياً مع المحكمة والتحقيق• ويقول مصدر متابع أن هم الحزب هو ان يحمي أيٍ ممن يمكن أن تطالهم التهم بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، من خلال تذويب الروابط بين المحكمة ولبنان. اما سوريا، كدولة، فلا يمكنها ان تكتفي بضمانات سياسية في مواجهة قرار دولي. إذ أنّ الأخير ستبقى مفاعيله ثابتة وعرضة للتفعيل في اللحظة التي تنهار فيها معادلة التوازنات السياسية التي انتجت الضمانات قبلاً.
وعليه كان الخيار التضامني بين "حزب الله" ودمشق في مواجهة المحكمة، بالالغاء السياسي لقائد مشروعها، أي سعد رفيق الحريري، إنطلاقاً من أن هذا ليس إسماً ثلاثياً وحسب، بل مشروعاً كان، ولا يزال، ممنوعاً من الصرف في قواعد اللعبة السياسية اللبنانية.