كتبت نادين سلام في "اللواء": تسارعت وتيرة التصعيد الداخلي على وقع الفشل الخارجي في إيجاد الحلول والمخارج التوافقية لمختلف الأطراف· ولعل قمّة العجز الذي شعر به اللبناني، هو تمثيله في قمّة دمشق عبر ملف مرمي على طاولة التفاوض والحوار، حيث يحاول جيران البلد الصغير، مشكورين، حقن الدماء فيه، بينما يبرع أبناؤه في استرخاصها وهدرها في قضايا لا طائل منها·
فترى الأشقاء والأصدقاء منهمكين في إعادة مد جسور التواصل التي قطعتها الاطراف الداخلية، محاولين إحياء حوار فضّه أهل البلد الواحد، لتحييد شارع شهد أولى رسائل <الويل والثبور>·
لقد بلغ العناد السياسي مرحلة لم يعد من السهل لأي طرف التراجع لنقطة التلاقي، وقد استفحل التدخل الخارجي إلى حدّ خرج القرار من أيدي الأطراف الداخلية، فهل يصل الإجرام بهم لدرجة اقحام الشارع في مناورات الدول الكبرى؟·
إن العودة إلى الشارع لن تجدي نفعاً لأي طرف سوى ترسيخ الحقد والكراهية، وزهق الأرواح خدمة لعدو الأمة العربية الأوّل، وإضعافاً لقضية فلسطين التي دفع اللبناني الغالي والنفيس في سبيلها منذ بدايات الصراع وحتى اليوم· فمن من المعارضة أو الموالاة قادر على حمل هذا الوزر تجاه قاعدته وتجاه الأجيال المقبلة عبر التاريخ؟·
لقد أثبتت تجارب عديدة، قديماً وحديثاً في تاريخ لبنان، أن قدر التعايش هو الأوّل والأخير ولا مفر منه، ومهما طالت الصراعات، وتحولت لحروب ضروس أحرقت الأخضر قبل اليابس، وسجلت طوراً نقاطاً لهذا الفريق وطوراً آخر انتصاراً لتلك الطائفة دون غيرها··· إلا أن نهاية المطاف، وبعد ثماني عشرة سنة كانت في جلسة حوار شامل وجامع في الطائف أرست أسس العيش المشترك على قاعدة لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه على مختلف طوائفهم·
وأعادت التجربة نفسها في صراعات الفترة الأخيرة وهي ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكانت كل مواجهة في الشارع تنتهي حول طاولة حوار، إما برعاية محلية او عربية، كونه المخرج الطبيعي والعقلاني في أيام بات دم الشعوب العربية والمستضعفة في العالم الثالث، أرخص الأثمان التي تضحي بها الدول الكبرى لحل مشاكلها ومواجهة أعدائها·
فمن يبلغ الشجاعة والحرية السياسية قادر على اختصار الطريق، وتحييد الشارع عن الصراع العبثي، وعلى حصره داخل المؤسسات الدستورية بكل ما يتمتع في لبنان من هامش ديمقراطية وحرية تغنّى بها الغريب قبل القريب، واستخف بها اللبناني ولم يعرف كيف يوظفها لخدمة مصالحه بدلاً عن مصالح الغير على أرضه·
لقد استفتى الإعلام الشارع عدّة مرات بعد <بروفة> الثلاثاء، وكانت ردود فعل المواطنين ملفتة من ناحية لا مبالاتهم ويأسهم من جدوى الممارسة السياسية الراهنة، فلم يغيّر الشارع يوماً واقعاً سوى ترسيخ الانقسام وزيادة الكراهية بين الأخوة والجيران، وهو الهم الحقيقي للبناني· فقد أثبتت التجربة أن عدو اليوم قد يصبح حليف الغد، ولكن جرح النفوس صعب الالتئام·
وبعد كل هذه المحاولات والمبادرات والقمم لحل الأزمة اللبنانية، يبقى ترسيخ الأمن والحد الأدنى من الاستقرار هو مسؤولية الأطراف اللبنانية فقط دون الغير، لأنها وحدها قادرة على تفويت الفرصة على المندسين الذين يحاولون جاهدين فرط العيش المشترك وبث السموم المذهبية في لبنان بعدما اجتاحت العديد من دول الجوار·
إذا كان الانطلاق من الأفكار العربية وتطويرها بالصيغة التي تناسب الواقع الداخلي لإيجاد المخرج اللبناني للأزمة اللبنانية بين الأطراف اللبنانيين بات مستحيلاً، فعلى لبنان السلام·
<إن يد الله مع الجماعة>، وليست مع جماعة ضد إخوانهم في الوطن والمصير! فهل من يتعظ؟!·