كثر الكلام عن المسعى السعودي – السوري، والتدخلات الاميركية التي عملت على إجهاضه قبل أن يبصر النور، وسحب المملكة العربية السعودية يدها من هذا المسعى، كما جاء على لسان وزير خارجية المملكة الامير سعود الفيصل، أول من أمس، غير أن هناك أمراً يجب التنبّه إليه، وهو ما تطرّق إليه الامير سعود الفيصل في ما خص الاتفاق بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد، والذي تم في شهر آب من الصيف المنصرم، والواضح، كما أشار الأمير الفيصل، أن الاتفاق كان (من راس لراس) أي بين الملك عبدالله والرئيس الاسد ولا ثالث بينهما، ولم يعرف أحد مجريات ومفردات وحيثيات هذا الاتفاق.
إذاً، الكلام عن تدخل أميركي أو أوروبي غير دقيق، لأن الاتفاق أحيط بالسرية التامة، وانطلاقاً من هذا يطرح السؤال ذاته:
ما دام هناك اتفاق فلماذا لم ينفذ؟
الواضح أن الإجابة عليه تحتمل أمرين، أولهما، أن الرئيس السوري بشار الاسد عدل عما اتفق عليه، وثانيهما، أنه لم يستطع إقناع الايرانيين بحيثيات الاتفاق وما تم التوصل إليه لتجسيده واقعاً.
هنا، لو عدنا قليلاً الى الوراء زمنياً، وتابعنا تسلسل الأحداث منذ إنشاء المحكمة الدولية، لرأينا تمايزاً بين الموقفين السوري والايراني تجاهها، إذ إن الموقف السوري أعلن في البداية على لسان الرئيس السوري، ومفاده أنه " إذا ثبت أن أي سوري متورط في هذا الجريمة فسنحاسبه" ، وفي مرحلة لاحقة تطور هذا الموقف عندما بدأ الهمس فالحديث عن القرار الاتهامي وفحواه، فقال الاسد في هذا الخصوص " إننا سندرس القرار، وإذا كان هناك أدلة وإثباتات دامغة وموثقة فسوف ندرسها ونأخذ القرار المناسب فيها، أما إذا كان (القرار) مسيّساً فسنرفضه حتماً" .
هذا الموقف السوري يعني اعترافاً بالمحكمة، وقد سبق لسورية حين بدئ بالتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن تعاونت مع لجنة التحقيق وقدمت ما طلب منها، وفي هذا دليل على اعترافها بالمحكمة من خلال تعاونها وتجاوبها مع اللجنة.
أما الموقف الايراني فهو ملتبس، ومختلف اختلافاً كلياً عن الموقف السوري، إذ يكفي ما سمعنا من مرشد الجمهورية الاسلامية علي أكبر خامنئي في ما خص المحكمة، وإصداره فتوى بتحريم التعامل أو التعاون معها، وهذا ينسحب بالتالي على حلفاء ايران وأتباعها في لبنان.
وانطلاقاً مما تقدم نستطيع الوصول الى معرفة من يعرقل التسوية، ومن يضع العصي في عجلة التوافق والحوار.
إن التصعيد الذي يقوم به فريق 8 آذار غير بريء إطلاقاً، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموقف الايراني، ومعروف أن ايران تضغط في هذا الاتجاه لتحسين وضعها التفاوضي حول ملفها النووي، وهي تستخدم لبنان ورقة إقليمية تستطيع من خلاله تحقيق مصالحها ومكاسبها على غير صعيد.
ما يهمنا في هذا السياق أن الرئيس سعد الحريري مد يده ولايزال الى الفريق الآخر للوصول الى حل يرضي الجميع، حيث " لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" إن أجيز لنا الاستشهاد بهذا المثل الشعبي الموروث.
ونعود لنؤكد، لا سبيل لخلاص هذا البلد إلا بالحوار والتوافق، وإذا كان الامر غير ذلك فإننا ندفع البلد الى الهاوية، من خلال أيقاظ الفتن التي سوف تعصف بالجميع، ولن توفر أحداً.
إن الرئيس سعد الحريري لا يضن بشيء لخدمة هذا الوطن، وهو قد داس على الجراح النازفة، وقدّم تنازلات جمّة من دون أن يلاقيه أحد في منتصف الطريق، أو بالأحرى من دون أن يجد أحداً في الطريق، فهل هناك ما يقدّمه بعد؟!
وهل ننتظر اجتراح حلول تأتينا من الخارج لتبلسم جراحنا، وتوثق الاخاء بيننا، وترشدنا الى الطريق الصحيح، وكأننا قاصرون لم نبلغ سن الرشد بعد؟!