لم يعد خفياً على احد ان "حزب الله" ومن خلاله النظامين السوري والايراني هم من يفشل المبادرات العربية من الـ س – س الى المبادرة القطرية – التركية خلال هذا الاسبوع الممتد بين تأجيل استشارات نيابية ملزمة والتاريخ الجديد لتلك الاستشارات الاثنين المقبل.
ولعل ابرز ما نستطيع الخروج به من عصارة احداث وتطورات هذا الاسبوع الخطير انه كان بامتياز اسبوع سقوط قناع "حزب الله" ومن وراءه. اما سائر الحلفاء، ومن بينهم الجنرال عون وتياره غير الوطني وغير الحر، فقد تكرس دورهم كـ "كومبارس" مكيافللي للحزب يكررون صداه ويمشون في هديه وتحت عباءته خدمة لاجندته الاقليمية.
من هنا، فإن اهم ما يمكننا تسجيله عن هذا الاسبوع هو الاتي:
اولا: سقوط "حزب الله" وطنياً كحركة مقاومة لبنانية للاحتلال الاسرائيلي وتكشّف حقيقة ان هذا الحزب ليس سوى فصيل جديد ميليشياوي برنامجه الوحيد الانقضاض على الدولة وقلب النظام وزعزعة الاستقرار والسلم الاهلي في سبيل الحفاظ على وجوده – لان المعادلة التي توصل اليه الحزب تكمن في انه فرض نفسه حجر عثرة بين معادلة الاستقرار في مقابل العدالة كما كان قد حاول من قبل استراق تغطية وطنية له في محاولته حشر نفسه بين الشعب والجيش والمقاومة مع ان المقاومات الشعبية عبر التاريخ ليست بحاجة لتمييز نفسها عن الشعب عندما تكون من صلبه ولاجله – ما دفعه الى اقتناص الفرصة لتكريس مشروعية سياسية لمقاومته في بيان وزاري لحكومة اطلق بنفسه رصاصة الرحمة عليها.
ثانيا: ان الحزب ومعه "8 اذار" خرجوا عن منطق الدولة ولعبة المؤسسات والصراع الديمقراطي بحيث لم تعد لديهم اي خطوط حمر واي محظورات. حتى النظام اللبناني والاستقرار والسلم الاهلي باتوا بالنسبة لهم اوراق مقايضة وابتزاز واضح للبنانيين. فخروجهم عن منطق الدولة اخرجهم من الدولة ومن مؤسساتها حيث الشارع هو الذي يحررهم من اي التزامات تجاه تلك الدولة وتجاه شركائهم في الوطن. فالحزب اصبح عاملاً انقلابياً وتهديدياً للبنانيين، كما اصبح عامل انقلاب على الثوابت الوطنية التاريخية وعلى كينونة لبنان. والاخطر والادهى من ذلك، انه بات يحتجز الدولة شعبا ومؤسسات ودستورا في قبضته الميليشياوية التي يعتز بها ويفتخر حلفاؤه بها. فاذا بنا نكتشف بأن من كان مع تطبيق اتفاق الطائف مثلا ولا سيما بنوده السيادية وكان يزايد على قوى "14 اذار" في المطالبة بتطبيقها واحترام الدستور اذا به هو من يسعى الى تقوية وتعزيز سلطة الميليشيات على حساب الطائف والسلم الاهلي والدستور الذي ارساه ذاك الطائف نفسه.
ثالثا: ان ما حصل الى الان يؤكد ان النظامين السوري والايراني يقفان وراء تأزيم الاوضاع الى الان وان كان النظام السوري اكثر مناورة وانفتاحاً من حليفه الايراني – بدليل تحميل النظام في سوريا مباشرة مسؤولية تفشيل المبادرة التي لطالما سمعنا عنها "الـ س – س" وكلام الوزير سعود الفيصل الواضح بالامس الى قناة "العربية" كان خير دليل على هذا الدور السوري السلبي لا بل على هذه الادانة باسلوب ديبلوماسي لبق. فالكلام "راس براس " بين جلالة الملك عبدالله والرئيس بشار الاسد كان هو السبب في اعلان المملكة رفع يدها عن مبادرة "الـ س – س" – تماما كما كانت وراء اعلان توقف المساعي القطرية والتركية – لان النظام السوري وبكل بساطة وصراحة لا يريد الضغط على "حزب الهل" وحلفائه في لبنان لتسهيل الحل، لا بل التسوية الا من خلال منحه تفويضا عربيا ودوليا بالتدخل فيما النظام الايراني لا يناسبه دخول لبنان واللبنانيين الان في عصر التسويات على حساب وظيفة "حزب الله" الاستراتيجية له على البحر الابيض المتوسط وعلى حدود اسرائيل. فالنظام السوري نفسه عراب الهجوم على الرئيس سعد الحريري اليوم وهو ليس مرتاحا الى قوة سعد الحريري والى دوره والى كونه يحظى باكثرية نيابية ستؤهله لاعادة تكليفه لتشكيل حكومة جديدة لانه لم يستطع "تدجين"رئيس الوزراء اللبناني ولا اقناعه بالانفصال عن حلفائه في "14 اذار" لعزلهم والانقضاض عليهم.
رابعا: ان ما حصل خلال هذا الاسبوع كان المرحلة الاولى من انقلاب "حزب الله" وحلفائه على لبنان – بعدما بدأ بانقلاب دستوري تمثل في استخدام بدعة الثلث المعطل والوزير "الخديعة" – من اجل اسقاط الحكومة واسقاط سعد الحريري دستوريا بانتظار اسقاطه سياسيا. كما باتوا في "8 اذار" وعند الجنرال يصرحون ويتهددون من دون رادع وعلى المشكوف.
وعليه، فإن اخشى ما نخشاه ان يكون التاريخ يعيد نفسه بين الاب الشهيد والابن. فما نشهده اليوم يكاد يكون محاولة اغتيال سياسية لسعد الحريري تحاكي محاولة اغتيال والده جسديا. وما الهجوم السياسي والاعلامي (نشر تسجيلات محطة "الجديد") الا بداية تنفيذ قرار اغتياله ومن خلاله اغتيال ثورة الارز والقوى السيادية والاستقلالية الحرة في لبنان.
فالمواجهة اليوم باتت مفتوحة وعلنية وواضحة للجميع: قرار اقليمي بقلب قواعد اللعبة بما يتجاوز ببعيد موضوع المحكمة الدولية والقرار الاتهامي اللذين استعملا طوال الفترة الماضية "شماعة" لاخفاء حقيقة النوايا والمخطط والمؤامرة على لبنان وشعبه.
خامسا: ان المواجهة قد تكسب "حزب الله" على بعض الارض وبعض الوقت سيطرة ميدانية وعسكرية – وهذا طبيعي – اخذين بالاعتبار توازن قوة السلاح – واكبر دليل على ما كنا دائما نكشفه من استخدام السلاح غير الشرعي لاخضاع البلاد والعباد، ولكنها وبالتأكيد ستعني في الوقت عينه انتهاءه سياسيا وانتهاء دور من يتحالف معه في الداخل – لانه واذا كان اللبنانيون محكومين بالتسوية بعد الانفجار والتأزم ككل مرة. فبالتأكيد اي تسوية مقبلة لن تعيد الى الحزب دوره الوطني الذي لطالما غش اللبنانيين بايهامهم به. كما ان المعادلات الجديدة التي ستفرزها التسوية المقبلة ستزيد من عزلة الحزب الذي يكون قد فقد مشروعيته الوطنية وتأييد الجماهير العربية والاسلامية في العالم العربي نتيجة الحماقاة التي تكون ارتكبت على ارض الواقع.
سادسا: من هنا فاننا نعتبر ان ما يحصل حاليا هو الوجه الحقيقي لقوى "8 اذار" و"حزب الله" ومشروعهم المعادي للدولة والكيان والوفاق الوطني والسلم الاهلي. وهو الحقيقة المرة التي لطالما كنا نعرفها وننتظر من العالم ان يتلمسها منا. فالسلم الاهلي بات خصم هذه القوى واستمرار لبنان العدالة والقانون والحرية بات التهديد المباشر والاستراتيجي لمشروعهم، ما حدى بهم الى اتخاذ قرارهم بتنفيذ الانقلاب. فها هي الوقائع تأتي لفضح المستور، وما صياح جنرال الرابيه في مؤتمراته الصحفية الاخيرة ومنها بالامس الا لمحاولة اثارة الغبار تارة بالمواضيع المالية و"شماعة " الفساد الاداري والمالي – الذي لطالما غطه حلفاؤه منذ التسعينات (ايام الوصاية والنظام الامني ) والذي اثبت مؤتمر الوزيرين اوغاسبيان ويوسف بالامس زيفها وهشاشة مصداقيتها وتورط حلفاء الجنرال انفسهم فيها وشهادتهم عليها– وطورا بالتهجم الشخصي على الرئيس سعد الحريري واتهامه بشتى الاوصاف والنعوت. وهي الدليل على استهداف الرئيس الحريري تماما كما استهدف والده الشهيد – ولو مع فارق الزمن والظروف واللاعبين.
لذلك نرى ان فخامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان مدعو اليوم اكثر من اي يوم مضى الى استعادة المبادرة اللبنانية – اللبنانية و لعب دوره كحكم اولا وكونه المرجع الدستوري الاعلى في البلاد والمؤتمن على الدستور وحماية المؤسسات وحفظ استقلال وسيادة الدولة وحماية الشعب والسلم الاهلي ثانيا، من خلال اما الدعوة الى مؤتمر وطني استثنائي في قصر بعبدا يأسس لاطلاق ميثاق عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين يحمل الجميع ولا سيما القوى المعرقلة مسؤولياتهم الوطنية امام الله والتاريخ واما السير في الاستشارات النيابية الملزمة يوم الاثنين المقبل ومهما كانت نتائجها لتسمية رئيس الحكومة العتيد لاعادة الصراع ضمن اطره الدستورية وقطع الطريق امام المتأمرين على النظام والدولة والمؤسسات والاستقرار في البلاد.
انها ساعة الحقيقة للجميع وامام الجميع … فلعبتهم الشارع والفرض والقوة والاستبداد من خارج الاصول الديمقراطية والبرلمانية وبلغة القوة المادية الغاشمة … وردنا يكون بتأكيد دور المؤسسات والدولة الحامية للجميع والمؤسسات الضامنة للنظام ووحدة اللبنانيين …
