الخلاف بين سوريا وفريق من اللبنانيين أبعد من قضية المحكمة الدولية
الخلافات لم تعد محصورة في العدالة بل في محاولات العودة إلى النفوذ السابق
"ما قاله وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بأن المملكة " أوقفت الوساطة بين لبنان وسوريا" أبلغ دليل على أن الخلاف ليس محصوراً بحل قضية المحكمة وإنما يتعداه الى الخلاف في العلاقة ككل بين لبنان وسوريا على أمور كثيرة أخرى"
لا شك أن تصوير قضية المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكأنها السبب الرئيسي للمشكلة السياسية التي يتخبط بها لبنان حالياً والادعاء بأن مجرد تعطيل مفاعيلها ونزع الشرعية عنها والتبرؤ منها سيؤدي حتماً إلى إزالة عوامل الخلاف بين الأطراف اللبنانيين المتخاصمين ويساهم في حل الأزمة القائمة، إنما هو توصيف غير صحيح ومنافٍ للواقع لأنه يتجاهل العوامل الحقيقية ومسببات المشكلة القائمة لا سيّما وأن قضية المحكمة تفرعت عن المشكلة الأساس ولم تكن السبب في حدوثها كما يحلو للبعض تصوير ذلك خلافاً للواقع والحقيقة·
ولذلك، لا بد من مقاربة منطقية وواقعية للمشكلة الأساس والبحث عن سبل الحل المطلوبة، وليس التذرع بالمحكمة ومحاولة حصر الجهود المطلوبة بحلها فقط، لئلا يستمر الدوران في حلقة مفرغة وتبقى المشكلة الأساس التي تتجاوز قضية المحكمة بكثير إلى أمور أكثر تعقيداً في بعض الأحيان ترخي بتداعياتها السلبية على الواقع اللبناني وتعصف بالخلافات السياسية بشكل مستمر ودون توقف كما شهد اللبنانيون ذلك باستمرار على مرّ العقود الأربعة الماضية ومنذ استقلال لبنان وحتى الأمس القريب·
قد تكون قضية المحكمة الدولية قد زادت في الخلافات القائمة بين اللبنانيين في الأساس لوجود فريق مؤيّد لها يجهد لمعرفة من كان وراء الاغتيالات التي طالت رموزاً سياسية ووطنية بارزة وفريق معارض لها يسعى إلى التستر على القتلة ومحاولة طمس الحقائق وتجهيل مرتكبي هذه الجرائم لأسباب سياسية، ولكن يلاحظ بوضوح أن اللبنانيين مرّوا باصطفافات سياسية حادة طوال العقود الثلاثة الماضية وخصوصاً إبّان الوجود العسكري السوري في لبنان، وكانت لكل أزمة تستحضر قضية وشعارات تطرح ويتم تحريك الخلافات الداخلية وتحديد الاصطفافات وإدارة اللعبة السياسية على أساسها لإبقاء التحكم بالواقع اللبناني مضبوطاً وتحت السيطرة باستمرار· وكما يذكر اللبنانيون، إستحضرت طوال تسعينات القرن الماضي قضايا الفساد والرشوة والتي بلغت دروتها بداية عهد الرئيس السابق إميل لحود بعدما كان تدخله وأجهزته قبل ذلك من وراء الستارة وتحت عباءة الوجود السوري لتتحوّل الى شعارات للإقصاء السياسي ومصادرة الحريات واستشراء الفساد وإرساء سياسة القمع السياسي ضد مناوئيه السياسيين الذين يتذمرون من تدخل العسكر في السياسة بدون مسوغ قانوني لتغطية ممارسات التدخل السوري وقمع كل التحركات المطالبة بانهائه·
وبعد سقوط شعارات العهد اللحودي الأوّل الفارعة تحت سوء الممارسة واتساع رقعة الفساد ومصادرة الحريات، تمّ التسويق للتمديد تحت شعارات بديلة نهاية العام 2004، تارة لمواجهة القرار 1559 ورفض الانسحاب العسكري السوري من لبنان وما شابه، تم تنفيذ حملة قمع سياسي وتهديدات لم يشهد لها لبنان مثيلاً منذ نشوئه وتطورت إلى تنفيذ مسلسل اغتيالات إرهابية دموية، نتج عنها إنشاء المحكمة الدولية لملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية بعدما كان القضاء اللبناني مصادراً بالكامل وتحت السيطرة الكامل لكل من تولوا مسيرة القمع السياسي والأمني لصالح ترسيخ الواقع السياسي القائم وتبرير وجوده·
ولعل وقائع الأزمة القائمة حالياً ومسلسل التحركات السياسية والوساطات العربية والإقليمية لم تفلح في إيجاد حل لقضية المحكمة الدولية ومتفرعاتها حتى الآن، بالرغم من توفير كل المستلزمات المطلوبة وابداء الإيجابية من قبل الفريق الداعم لاستمرار عمل المحكمة الدولية برئاسة الرئيس سعد الحريري، لأنه يبدو أن الأزمة القائمة حالياً تتعدى قضية المحكمة الدولية إلى ما هنالك من قضايا وأمور لها علاقة بالنفوذ السوري في المسائل السياسية والأمنية وعلاقات لبنان العربية والدولية على حدٍّ سواء·
ولعل ما قاله وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في موقفه الأخير بأن المملكة <أوقفت الوساطة بين لبنان وسوريا> هو أبلغ دليل على أن الخلاف القائم حالياً ليس محصوراً بحل قضية المحكمة الدولية فقط وإنما يتعداه الى الخلاف في العلاقة ككل بين لبنان وسوريا على أمور كثيرة أخرى ما تزال تشكل موضع تباين وخلاف مستمرين بالرغم من الإنسحاب العسكري السوري والإتفاقيات التي وقعت بين البلدين وتبادل السفراء·
لذلك، لا بد من مقاربة كل هذه المسائل والقضايا الخلافية وعلى رأسها المحكمة الدولية وإيجاد الحلول اللازمة لها في سبيل إرساء علاقة سليمة ومتكاملة بين البلدين، ولكن يبدو أن محاولة التطرق الى هذه المسائل في المشاورات الجارية لحل قضية المحكمة هو الذي يزيد في حدة الخلافات بين الطرفين، لأنه يبدو أن لا نية للخوض فيها حتى الآن·ولذلك تتصدر قضية المحكمة قائمة الخلافات العديدة وتطرح الحلول على أساسها فقط دون ملامسة القضايا الحساسة الأخرى·