تضرب قوى الممانعة تحت الزنار، وتقفز فوق خطوط حمر مُفترضة في السياسة المحلية والإقليمية والدولية، كما في الشأن الدقيق الخاص بالتوازن اللبناني وأصوله وشروطه.. ولا تبدو (في الظاهر) أنها تسأل عن شيء، أو تقيم حساباً إلا لقرارها الانقلابي الواضح.
وتلك سياسة قد توصف أيضاً بما هو أبعد مما ذكر، بحيث يخال للكثيرين ان عملية كسر الإرادات وخربطة شروط اللعب إنما هي تعبير عن قرار يائس أكثر من كونها آتية من حسابات المصالح العارية بلا أي غطاء.
ذلك ما يوحي به "شكل" الأداء الممانع الراهن. أما في مضمونه، فإنه يحمل أسئلة أكبر بكثير من تفاصيل ما يحصل في هذه الأيام ومنها: هل دخلت قوى الممانعة فعلياً وعملياً في طريق باتجاه واحد لا عودة فيه؟ وهل اعتماد الكسر المثلث الأبعاد، المحلي والإقليمي والدولي هو قرار "أخير"؟ وهل أن خطوط التوتر العالي العابر للحدود اللبنانية ستوصل الى حريق لا حدود له؟ وهل ستتحمل الدول "المعنية" حكومة آتية من انقلاب ولو كان دستورياً في الشكل؟ وهل سيتحمل الفاعل (الممانع) والمتلقي (الإقليمي والدولي قبل المحلي) هذا الخلل المركزي في سيبة الحكم اللبناني؟
أسئلة كثيرة أخرى يمكن ان تُطرح، وهي في مجملها مبنية على "عدم يقين" بأن الأمور آيلة الى الذهاب في اتجاه "اشتباكي" يُبنى على مساحة الجغرافيا اللبنانية، لكنه يتمدد في اتجاهات الجغرافيا الواصلة بين دول المدار الإقليمي الأوسع والأرحب!
وعدم اليقين ذاك متأتٍ من قراءة بسيطة تفيد بأننا ما زلنا على المستوى الخارجي في سياق تفاوضي، إيراني مع الدول الخمس + 1، وسوري مع الأميركيين والفرنسيين والأتراك والقطريين.. والوصول في بيروت يوم الاثنين الى تنفيذ ما يُقال في الشأن الحكومي، سيعني اننا دخلنا في مرحلة ذلك الاشتباك الذي (مرة أخرى) يبدأ صغيراً في لبنان ويكبر باتجاه المعنيين بذلك التفاوض!
وفي محاولة الإجابة على تلك الأسئلة، لا تدخل حسابات القوى المحلية الملحقة بالقرار الإقليمي المركزي. وبالإذن من كل الضجيج والتسريبات المحلية الخاصة بما يُعدّ لما بعد يوم الاثنين المقبل، فإن ما قد يطرأ في الساعات الآتية قد يعيد الأمور الى مربعها الأول: مربع الكباش السياسي المفتوح، والمعبّر عنه بأزمة مزدوجة في التكليف والتأليف قد تستمر ردحاً طويلاً من الزمن.
في خضم كل ذلك، يحلو للكثيرين التذكير بأن الفارق يبقى شاسعاً بين المطلوب والممكن، وبين الواقع والتمنيات.. ولو كان في إمكان أهل الممانعة أن "يفعلوا" ما يقولونه لكانوا فعلوه منذ مدّة ولم ينتظروا أحداً.. كما يحلو للكثيرين، في المقابل، أن يذكّروا بأننا سبق ودخلنا منذ ست سنوات في دوامة الأسئلة الكبيرة ذاتها تقريباً. والنتيجة معروفة ولا نزال نعيش على وقع تردداتها المأسوية والكارثية الى اليوم.
ساعات قليلة، ويطلع الصبح علينا حاملاً الجواب اليقين.. وفي البال بانتظار ذلك، اننا أمّة منذورة للقنوط واليأس والانتحار!