بينما تقرأ هذا الكلام، ربما يكون أحدهم قد قبل بالفعل أن يكون مرشحاً لرئاسة وزراء لبنان بديلاً للشيخ سعد الحريري، الذي أسقطت حكومته، باستقالة وزراء "حزب الله"، وضغوط مهولة على وليد جنبلاط الزعيم الدرزي، وألعاب خلفية مارستها سوريا وإيران، لمنع الحريري من أن يواصل مهمته الشرعية.
اليوم، أو ربما فيما بعد ذلك، سوف يعلن عن اسم شخص خائن لطائفته السنية، سوف يقبل أن يتم سحب الأكثرية الشرعية من تيار "المستقبل"، وأن يكون دمية في يد دمشق، تحركه وفق ما تقول، وتأمره بما يفعل، وقد يكون هذا الشخص ليس عضواً في البرلمان أصلاً.. لأنه لم يحصل على أصوات دائرته.. بل ويخشى أن يزور مسقط رأسه.
رئيس الوزراء في لبنان لا بد أن يكون وفقاً للدستور سنياً، والسنة كلها في لبنان تجمع علي سعد الحريري، وتريده رئيساً للوزراء، ولكن لأنه يتعرض لإجحاف وظلم، ويريدون منه أن يتنازل عن حق دم أبيه، فإنهم قرروا أن يبعدوه بكل الطرق، ولو من خلال اصطناع هذه الأزمة السياسية، لإبعاده وكسره، وقد عرف الحريري بما يريدون.. وخرج إلى الناس.. وقال كلاماً مسؤولاً.. وقال إنه مد يده.. وذهب بعيداً جداً.. وإنه يرتضي الخيار الديمقراطي.. ولكن الخطة كانت تدبر بليل.. ورغم أنها سرية إلا أنها معروفة.
من المثير أن مشاورات تشكيل الحكومة سوف تبدأ اليوم، وحتى اللحظة لا أحد يعرف من هو رئيس الوزراء المرشح، لأن العاصمة التي تحكم لبنان من الخارج.. أي دمشق.. وحليفتها طهران.. لم تعلن هذا الاسم بعد.. ولكن الجميع يعرفون تقريباً من الذي سوف يقبل.. ومن الذي سوف يخون طائفته السنية.. ومن الذي سوف يرتضي أن يكون أداة في هذا الالتهاب الطائفي الذي يؤكد هيمنة الشيعة من خلال قنوات خلفية وعلنية على أوضاع لبنان.. وبطريقة تطيح بعهده ودستوره.
الذي سيقبل، سوف يحول لبنان إلى غزة أخرى.. انقسام كبير مهول.. ليس بين الطوائف وبعضها البعض.. ولكن داخل الطائفة الواحدة.. سيكون للسنة "عونهم".. كما أن هناك العماد عون المتحالف مع "حزب الله" بين الموارنة.. وسيكون للسنة "مشعلهم".. تماما كما كان خالد مشعل أداة الانقسام التي استخدمتها سوريا لفصل غزة عن الضفة.
هل سيؤدي هذا إلى حل لأزمة لبنان؟ هل سيؤدي هذا إلى إلغاء محكمة قتلة الحريري؟ هل سيؤدي ذلك إلى نجاة عناصر "حزب الله" من العقوبات التي يجب أن تنزل بهم؟ لا.. لن يؤدي أي شيء مما يحدث الآن إلى هذا على الإطلاق.. بل على العكس سوف يقود إلى تعقيد تلو تعقيد.. ولكنه لن يجعل القانون معطلاً.. على الرغم من أن تلك محاولة لارتهان دولة بأكملها من أجل حفنة قتلة ومنفذي برامج وأجندات إقليمية.
لم تستوعب سوريا درس التاريخ.. ظلت عقوداً تعتقد أنها لن تخرج من لبنان.. وأنها سوف تبقى فيه إلى الأبد.. وفي لحظة وبعد أن أحكمت قبضتها تماماً على مقدراته لم تتمكن من إبقاء قواتها فيه.. وخرجت تجر أذيال الخيبة.. بعد أن عاثت سنوات في بلد كان من المفترض أنها تعينه على عبور محنته.. فتحولت هي إلى محنة جديدة.
وبمضي الوقت.. فإن الأمر تحول إلى عقدة.. أرادت دمشق أن تقول إنها يمكن أن تدير لبنان بدون أن تكون قواتها فيه.. وإنها يمكن أن تستلبه بدون أن تحتله.. وإنها سوف تنتقم ممن دفعوها إلى أن تغادره.. وفي ذات الوقت فإنها تريد أن تفر برقاب من يمكن أن يتهم في عملية اغتيال الحريري.. والأهم الذين اغتالوا السياسيين الآخرين ورموز الفكر الذين قتلوا بعد اغتياله.
الآن، تريد سوريا، التي خدعت الكثيرين بأن أوحت أنها تقطع طريق الحل مع السعودية، أن تشل البلد المميز تماماً، وأن تخنقه وتمتص تفرده، إذ أن هناك سبباً آخر يدفعها إلى ذلك.. وهو أنها لا تقبل أن تكون إلى جانبها دولة تكشف مدى القهر الذي تمارسه في مجتمعها.. أو ديمقراطية تظهر انعدام الحرية فيها.. وسوف يساعدها سني قرر أن يخون طائفته السنية.
أقول هذا وقد بلغتني الآن معلومات تشير إلى أن سوريا بعد أن سربت اسم أحدهم واكتشفت أنه يلقي اعتراضات مهولة.. سوف تدفع إلى تأجيل المشاورات الوزارية بحثاً عن خائن آخر للسنة.