في لعبة السياسة، تكسب الوقت بتمضيته فى تصريحات والكلام والمشاورات دون وجود أفعال على الأرض.. فقط تشتري الوقت لتستفيد من كل الأوراق.. ولتسترد القدرة واالاحترام يكون بأسلوب إبداء التعاون وطرح المبادرات.. وقد تفتح الباب للمفاوضات لتحسِّن موقفك، و من ثم تغلق الباب فور الضمان من انتهاء يتحقيق مصالحك ، و بسرعة تدير ظهرك وتسقط الأقنعة وترفض وتصمت حتى إن كان هناك اتفاق مبرم بالعمل و بالالتزام.
هكذا فعل الرئيس السوري بشار الأسد بكل حنكة ودهاء بعد ان أصبح واضحاً أن المبادرة (السعودية – السورية) التي هى المؤشر لاستقرار لبنان قد وئدت فى المهد قبل أن تولد.. فقد حاولت الملكة العربية السعودية من المصالحة مع سوريا استعادة دور عربي يساهم في استقرار المنطقة، بالنوايا الحسنة والإيجابيات.. بالتحرك السعودي نحو سوريا التى استغلت فيها دمشق هنا الوقت بامتياز حيث اختارت لنفسها مفاوضا مغموراً بعيداً عن وزارة الخارجية السعودية وهو الأمير عبد العزيز بن عبدالله من خلال بعض رجال الاعمال السعوديين والاردنيين الذى سعى معه لحمل الملف اللبنانى عبر والدة الملك وأخذ الوعود بأن الهدوء سيكون شعار المرحلة المقبلة فى ظل رئيس الوزراء سعد الحريري، شرط أن تكون هناك عدة تنازلات.
قام الملك السعودى بزيارة تاريخية لسوريا، يحمل أجندة من التعاون العربي والخطواط للتهدئة فى المنطقة، من أول ضمان الحدود بين السعودية واليمن التى تلعب عليها أصابع إيرانية تحركها، وهم «الحوثيون»، والذي فتح الملك الحرب عليهم فور عودة من سوريا …. إلى استعادة دور عربي فى العراق بدخول «علاوي» إلى رئاسة الحكومة بدلاً من المالكي الذي يحمل بصمات ودعم إيران، إلى استعادة ملف المصالحة الفلسطينية لإحياء اتفاق مكة الذى سعى لابرامه الملك من قبل وكان وراء إفشاله سوريا وإيران.. وغيرها من الملفات، ولكن الأهم استقرار لبنان وتحجيم دور حزب الله لاستعادة السلطة ببناء الدولة ودعم الحكومة والمؤسسات..
وبالفعل سمع الملك السعودى كل الكلام والوعود.. ولكن الحقيقة بنت الأيام.. مرت الشهور والأيام وظهر أن الحوثيين مازالوا يشكلون تهديداً.. والمالكي أصبح رئيس وزراء العراق، وعلاوي لم يحصل على الدعم المطلوب إذ إن الدور الإيرانى حجَّم الدور العربي فى العراق وملف المصالحة الفلسطينية طبعا لا جديد فيه..
أما فى لبنان فقد تم تقديم التنازلات من رئيس الحكومة سعد الحريري مرة بعد الأخرى.. زار سوريا كرئيس وزراء دولة لبنان وجلس ونام ليلة هناك وليس لعدة ساعات فقط، وكان ذلك اكبر برهان لاعطاء الامان وهنا كان منى لة اكبر اعتراض كما اكمل الحريرى الالتزام وصرح فى الجرائد بكل بما هو مطلوب عن شهود الزور وتبرئة النظام السوري من الاتهامات السياسية التى طالته منذ عام ٢٠٠٥ فى الاغتيالات.. ولكن دهاء الثعلب عند الاسد السوري كان الأكثر حنكة فى الأداء، واستعاد بهذه المبادرة مكانته فى عودة العلاقات ورفع العزلة عنه من فرنسا وإعادة تداول الزيارات حتى عودة السفير الأميركي إلى السفارة في دمشق.. وبذلك اكتسب هيبته أمام الجميع بعد حضور رئيس الحكومة سعد الحريري إلى قصره اكثر من خمس مرات، ووليد جنبلاط الذى تطاول عليه واتهمه ثم قام بالهرولة وإبداء الاعتذار..
واستغل الوقت واستفاد الأسد من النوايا الحسنة للسعودية لمصلحته …..ومن ثم عاد إلى موقعه الأساسي فى استعادة الورقة اللبنانية من خلال إيران وحزب الله، وطلب من حلفائه فى لبنان الاستقالة من الحكومة لإسقاط الدولة اللبنانية، بعيدا عن اى التزام فحين اقترب إعلان القرار الظني، كان الهدف الأساسي إسقاط الحكومة و إسقاط العدالة والمحكمة التى ستفضح من وراء الاغتيال.. الخوف والقلق من كشف الحقيقة جعل سوريا وحزب الله يسقطان الأقنعة ويظهران النوايا فى التهديد اليومى للاستقرار، مما جعل الملك السعودي يستعيد زمام الأمور ويكشف امامة المستور.
أخيراً، طلب من وزير الخارجية السعودية أن يعلن عن فشل هذه المبادرة (السعودية – السورية) وعودة العلاقات إلى الجفاء.. مصر كانت مدركة دهاء الأسد، لذلك طلبت إثبات الكلام بالأفعال أولاً قبل أى خطوة لإعلان المصالحة والاحتواء وفضّلت دور المراقبة فقط.
والان، إذا نجحت المعارضة في أخذ زمام الحكم فى لبنان تكون إيران حصلت من خلال سوريا على الهلال الإيرانى لنفوذها فى الوطن العربى بعد غزة، فهى دخلت إلى العراق وسوريا ولبنان.. للاسف فالسياسة ليست خبرة فقط، ولكن دهاء الثعلب كان له أيضاً مكان، فاستخدام الرئيس الأسد كل الأوراق بذكاء ودهاء ساهم فى تمدد نفوذ حليفته إيران حتى وصلت إلى البحر المتوسط فى لبنان. لتفتح جبهة اسرئييل وايران… والعرب فى خبر كان…