قبل الانتخابات النيابية قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في واحدة من طلاته الاعلامية المتلفزة "فلتتصرف الأكثرية بحسب ما تراه مناسباً في حال تحقق لها فارق الصوت الواحد". وقد حصلت قوى 14 آذار يومها على أكثرية نيابية واضحة وصريحة من غير ان يسمح لها حزب الله وحركة "أمل" بالوصول الى مجلس النواب وبالقوة لممارسة حقها في انتخاب من تريده لرئاسة الجمهورية. وقد فعلت المعارضة السبعة وذمتها على الأرض مستخدمة مختلف وسائل التخويف والترهيب والتخوين لمنع ملازمة النواب منازلهم ومكاتبهم (…) كما حظرت عليهم التجول كي لا يعقدوا جلسة في أي مكان غير المجلس بذريعة اخترعها الرئيس نبيه بري وفيها ان أية جلسة لا تضم الأغلبية تعتبر ساقطة دستورياً!
وفي ظل عرض حزب الله وحركة "أمل" عضلاتهما في الشارع وفي غيره بالتضامن مع بعض الحلفاء، استمر إقفال مجلس النواب ومنع دخول قاعته العامة كي لا يقال بعدئذ ان الجلسة اللاحقة تكون قانونية ودستورية بمن حضر. وقد استمر العمل بهذا الاجتهاد الى حين الوصول الى اتفاق بالقوة قضى بإدخال تعديلات دستورية على طريقة انتخاب رئيس الجمهورية وعلى طريقة تشكيل حكومة توافقية أثبتت مع الأيام أنها لم تكن سوى حكومة أمر واقع، الى ان سقطت نتيجة استقالة وزراء المعارضة منها بعكس ما نص عليه اتفاق الطائف الذي حظر بالشكل الاستقالة من دون ان تلتزم به قوى 8 آذار التي عرفت أخيراً كيف تخترق الأكثرية عبر التغيير الجذري الذي طرأ على موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي – رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط الذي نقل البارودة من كتف الى آخر؟!
مساء أول أمس الأحد، صدر عن الأمين العام لحزب الله موقف انقلابي فاضح بالنسبة الى إعلانه صراحة كما في السابق ان من يحصل على الأكثرية في الاستشارات النيابية الملزمة، هو من سيشكل الحكومة الجديدة، بعدما اقتنع ربما بأن الأكثرية النيابية أصبحت تحصيلاً حاصلاً مع المعارضة اثر التحول الجنبلاطي بين لونين وتوجهين مختلفين بذريعة العمل بما تريده سورية وبذريعة العمل أيضاً بما يحفظ المقاومة (…) من دون حاجة الى العودة بالذاكرة القريبة الى ما قاله عن سورية وعن حزب الله في ثورة 14 آذار من العام 2005، والموقفان مسجلان في التاريخ كما في جغرافيا العلاقات بين جميع اللبنانيين على السواء في أعقاب زلزال الاغتيالات السياسية الذي بدأ بمجزرة قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري يوم 14 شباط من العام 2005 ثم كرت سبحة الاغتيالات لتطاول وزراء ونواباً وشخصيات سياسية وفكرية والمئات من "ضحايا الصدمة" ممن صودف وجودهم في أماكن الاستهداف!
صحيح، ان السيد حسن مرتاح الى وضعه السياسي والشعبي الداخلي والإقليمي، غير ان الأمور الداخلية لا تقاس بمزاج المناسبة التي حولت الأقلية الى أكثرية، لأن من سيشكل الحكومة العتيدة لن يكون بوسعه الوقوف فقط عند رأي حزب الله وحركة "أمل" والحليف ميشال عون، بقدر ما سيكون اضطرار لا بد منه لتجنب خطر التصرف بعكس الذي حصل في التوزيع الوزاري. وهذا سيناط حكماً بالرئيس الذي سيتولى مهمة المقارنة بين المصلحة العامة وبين مصلحة من فرضه على رأس السلطة التنفيذية، خصوصاً ان هناك عقدة اسمها المحكمة الدولية وعقدة اسمها السلاح غير الشرعي المنتشر في الداخل فضلاً عن عقدة وضع المعارضة السابقة يدها على بعض المقدرات الوزارية المحلية والخارجية والادارة العامة.
المؤكد ان الأمين العام لحزب الله ومعه رئيس مجلس النواب لن يقعا في "مكابرة سوء التصرف" بالنسبة الى التشكيلة الوزارية، ان لجهة الخطأ الذي ارتكبه في ما سبق الرئيس اميل لحود عندما عين وئام وهاب بديلاً للثقل الدرزي الجنبلاطي. وهكذا فعل يوم تعيين وديع الخازن اثر استقالة الوزير البديل فريد الخازن (…) ومثل ما سبق يوم تعيين كريم بقرادوني وبعض خوارج المعارضة من غير ان يكون مقتنعاً بهم، بل تلبية لأوامر تبلغها من خارج الحدود. وهذا الشيء موثق لمن يجد نفسه غير مقتنع بما فعله الرئيس السابق اميل لحود؟!
هناك أكثر من سؤال لا بد وأن يطرح على من سيتولى تشكيل الحكومة بعد الاستشارات: هل من توليفة وزارية جاهزة؟ وهل من قرار مسبق سيعلن عنه بالنسبة الى المحكمة؟ وهل سيسدل الستار على جرائم الاغتيالات السياسية؟ وهل ستحمل الحكومة الجديدة عنوان فرض الأمر الواقع؟ وماذا سيكون قرارها في موضوع الشهود الزور؟ أقله كي لا يقال مسبقاً أنها فاشلة في الشكل كما ستكون فاشلة في المضمون، من غير حاجة الى تذكير أحد بماهية الاعتماد على الأصول القانونية والدستورية التي لحظها السيد حسن نصر الله في آخر طلاته المتلفزة التي ستعقبها طلة جديدة غداً الثلاثاء كخاتمة أحزان سياسية او كبداية مشوار طويل عريض من عمر المآسي المفروضة على لبنان لأكثر من سبب ومعنى؟!