اما ولبنان اليوم امام الربع الساعة الاخيرة التي تفصله عن مرحلة القرارات المصيرية – بفعل هجمة الانقلابيين في "8 اذار" و"حزب الله" – فانه بات من الضروري وضع بعض النقاط على الحروف وفق الاتي:
اولا: اننا نريد تذكير السيد حسن نصر الله بأن الدكتور سمير جعجع حوكم في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامه من ضمن ملفات مخابراتية مفبركة من اجهزة النظام الامني اللبناني- السوري التي يعمل حزبه وحلفاؤه اليوم على اعادة اكثرية رموزها من الشباك بعدما خرجوا من الباب. وبالتالي فاننا نهيب بالسيد حسن الترفع فوق الغوغائية السياسية والتظاهر بالثقة العمياء بالقضاء اللبناني انذاك في وقت كان نفس القضاء الذي يركن اليه السيد حسن يطارد ويلاحق ويضطهد "التيار الوطني الحر" الحليف له اليوم والذي ذاق الامرين من هكذا صورة للقضاء انذاك وهكذا صورة للنظام الاستبدادي الامني المخابراتي. فاذا كان السيد حسن يصدق هكذا قضاء، وهو بالطبع يصدقه، فاقله فليتم احترام حلفائه الذين ادينوا ولوحقوا ونكل بهم من هذا القضاء نفسه.
ثانيا: ان الدليل القاطع على عملية الانقلاب المبرمجة التي يقوم بها "حزب الله" وحلفاؤه على النظام اللبناني والديمقراطية اللبنانية والدستور – عكس ما يشيعون ويهمسون في السر والعلن – تلك الديمقراطية التي اطلقوا في "8 اذار" مصطلح "التوافقية "عليها يوم كانوا هم في موقف الاقلية والضعف والانهزام لتبرير انقلابهم على نتائج انتخابات عام 2009… وهو في السماح لنفسهم اليوم والجنرال اولهم في رفض تكليف زعيم الاكثرية البرلمانية الرئيس سعد الحريري لاعادة تشكيل حكومة لبنانية جديدة. فمن الناحية المبدئية كما القانونية كما الديمقراطية – لا يحق لـ"8 اذار" ولا لـ"حزب الله" ولا للجنرال ولا للرئيس نبيه بري ان يرفضوا تكليف الرئيس الحريري لانه وحتى الانتخابات التشريعية المقبلة لا يزال دستوريا وقانونيا رئيس الاكثرية النيابية ورئيس اكبر كتلة برلمانية – وبالتالي من الطيبعي ان يكون المرشح الاوفر حظا والاكثر مشروعية لتولي رئاسة الحكومة مجددا – فرفض قوى "8 اذار" و"حزب الله" اعادة تسمية الحريري هو وجه اخر للانقلاب على الديمقراطية وعلى الدستور وعلى الانتخابات النيابية وهم الذين وبوقاحة ما بعدها وقاحة يتكلمون عن قبولهم باللعبة الديمقراطية … متناسين ان الشرط الاول للديمقراطية هو احترام ارادة الشعب وارادة الاكثرية النيابية، لا بل احترام رأي الاخر…
ثالثا: ان نصف الشعب اللبناني لم يعد يثق لا بـ"حزب الله" ولا بقوى "8 اذار" ولا بمشروعهم "المقاوم" لان هذا المشروع بات مشروع غصب للبنانيين ومشروع استيلاء على النظام الدستوري للبنانيين ومشروع تسلط وقمع بقوة السلاح للحياة السياسية الديمقراطية وحرمة المؤسسات الشرعية. فلا مقاومة غصبا عن الشعب ولا مقاومة من اجل غير الشعب ولا مقاومة بلا رضى الشعب – كل الشعب – الا إن اراد الحزب ان يكون مشروع مقاومته لطائفته فقط مشروعا تقسيميا يتحمل مسؤوليته وحده امام الله والتاريخ .
رابعا: ان فاز "حزب الله" وحلفاؤه في تسمية الرئيس العتيد للوزراء وفي تشكيل حكومة فاننا نرى عدم مشاركة قوى الاكثرية و"14 اذار" فيها – لان التجربة السابقة لحكومة تصريف الاعمال الحالية كانت فاشلة. فإن ارادوا حكومة وحدة وطنية، يجب ان يكون تمثيل الجميع فيها تمثيلا ميثاقيا لا غلبة فيها لفئة على اخرى الا بالديمقراطية وتوافر الاكثرية عند التصويت على اي قرار – باستثناء المواضيع التي تتطلب ثلثي الاصوات داخل الحكومة – وحيث لا قدرة لفئة على تعطيل دور فئة اخرى او التسلط على دور فئة اخرى او صلاحياتها في داخل الفريق الحكومي وبالتحديد لا لثلث معطل بعد اليوم بل احترام للنصوص الدستورية وترك اللعبة المؤسساتية تأخذ مداها الدستوري والقانوني والوطني حتى ابعد مدى في ظل احترام دور وحجم الاكثرية وانعكاسها في التشكيلة الحكومية بما يكون مناسبا من وزراء. علما ان اسقاط "حزب الله" و"8 اذار" لاتفاق الدوحة باستقالة الوزراء اخيرا من الحكومة، أدى الى اسقاط كل الاتفاقية بخاصة لجهة الثلث المعطل. كما ادى الى اسقاط البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية التي تحولت الى تصريف الاعمال حاليا ما يعني اسقاط المثالثة بين الجيش والشعب والمقاومة والتي اصبحنا كقوى "14 اذار" بحل ادبي وسياسي منها.
خامسا: من الان وحتى اشعار اخر وطالما ان الصيغة اللبنانية مبنية على التوازنات الطائفية التاريخية والى ان يرتضي اللبنانيون بالاجماع نظاما غير طائفي وغير مذهبي وبغض النظر عن راينا في هذه الصيغة، فلا احد يملك الحق او الصلاحية في ان يغتصب حق اي مذهب او طائفة في تسمية من يمثلهما في الحياة الدستورية والسياسية متى كانت التسمية ديمقراطية ونابعة من صلب قناعة الطائفة او المذهب الجماعية. فالقضية ليست قضية اسماء ولا قضية شخص سعد الحريري ام لا مع حفظ الالقاب. فمما لاشك فيه ان لدى الطائفة السنية الكريمة طاقات زاخرة وكفاءات وطنية مشهود لها – بل القضية هي مسألة مبدأ: فسعد الحريري زعيم الاكثرية ورئيس اكبر كتلة نيابية وقد ارتضى مع ذلك بأن يتشارك الحكم مع المعارضة التي تحولت بعد حزيران 2009 الى اقلية نيابية – ايمانا منه بالوحدة الوطنية والشراكة المسيحية – الاسلامية. في وقت كان بامكانه لو اراد ان يكون انانيا مثل سواه في "8 اذار" – ومنهم الجنرال عون الذي علق مصير بلد على توزير صهره جبران باسيل الخاسر لمقعده النيابي في دائرته الانتخابية انذاك – لكان بامكانه ان يرفض المشاركة وان يشكل حكومة اكثرية ولو اضطره ذلك الى الاعتكاف او الاعتذار من مهام تأليف الحكومة ولو تعذر عليه تشكيل حكومة اكثرية. وقد كان ولا يزال كزعيم للاكثرية النيابية يملك هذا الحق الدستوري والقانوني والسياسي الى الان وحتى الانتخابات النيابية المقبلة. ومع ذلك، نجد اليوم قوى "8 اذار" وفي مقدمتهم "حزب الله" ترفض تسمية الرئيس الحريري لتشكيل حكومة جديدة. ويتنكر لهذا الرجل الذي اثبت الى الان كم هو من طراز رجال الدولة الناجحين والانقياء والحكماء. فمن اعطى "حزب الله" و"8 اذار" الحق في التنكر لحق الرئيس الحريري الدستوري والطبيعي في تسميته مجددا لتشكيل وترؤس حكومة؟ ومن له الحق في المزايدة على طائفة ما في تولية ابنائها لها؟
قبيل الانتخابات النيابية عام 2009 وضع "حزب الله" و"8 اذار" فيتو كبير لا يزال الى الان على الرئيس فؤاد السنيورة الذي وصفوا حكومته عام 2006 بانها كانت "حكومة مقاومة " – واليوم يدعون فيتو على الرئيس سعد الحريري: فما رأيهم لو مثلا نضع في "14 اذار" فيتو على ترشح رموز "8 اذار" ونعتمد نفس الاسلوب في الاغتيال السياسي للشخصيات … نعم الاغتيال السياسي … ؟
ان الحقيقة والصراحة وحدهما يحرران من الخبث والعبثية … فنقاطنا هذه على حروف الواقع هي لمكافحة التزوير للوقائع ولوقف مسلسل التحايل على ذكاء اللبنانيين الشرفاء والوطنيين ووقف اللعب على الكلام وتلقيننا الدروس والنصائح ممن امعنوا ولا يزالون في خرق كل الاصول والموازين والتوازنات والنصوص والاعراف …
وللحديث تتمة …
