يعرف المقربّون من النائب ميشال عون أنه من نوع الأشخاص الذين يجب على المحيطين به أن يصدّقوا كل ما يقوله وإلا تقع المصيبة عليهم، وأن يضحكوا كلما اعتبر عون أنه ألقى "نكتة" وإلا قد يتهمهم بالخيانة العظمى لأنهم لا يستوعبون الدرر من فمه…
لكن لسوء حظ عون أنه لم يترك عددا كبيرا من اللبنانيين عموما، والمسيحيين خصوصا حوله. لذلك نجد أنفسنا في حلّ كامل من أن نصدّق ترّهاته وأخباره التي بات اللبنانيون يعرفون حقيقتها.
وما يجدر التوقف عنده الكلام الأخير لعون بعد ظهر الثلثاء 25 كانون الثاني قمّة الديماغوجيا التي بلغها جنرال الرابية.
قال عون إن الصراع القائم هو بين منطقين: منطق 5 شباط 2006 ومنطق 6 شباط 2006.
لكن نموذج الصراع الحقيقي هو بين 23 كانون الثاني 2007 و25 كانون الثاني 2011… وشتان ما بين التاريخين.
في 23 كانون الثاني 2007 كانت ثمة محاولة انقلابية أولى على إنجازات "ثورة الأرز" للعودة بلبنان الى ما قبل العام 2005.
أما في 25 كانون الثاني 2011 فكانت انتفاضة ردّا على آخر فصول الانقلاب الوقح على الاستقلال الثاني والذي لبس لباسا دستوريا مقنعا في حين أنه تمّ بفعل ضغط "السلاح الإلهي".
في 23 كانون الثاني 2007 حاولت يا عون جرّ المناطق المسيحية الى فتنة من خلال قطع طرقاتها وإحراق الإطارات واستعمال السلاح، وذلك لملاقاة أسيادك في عملية الانقلاب، لكنك فشلت وإياهم فشلا ذريعا. ولم تنفع بعد ذلك في عرض صور مركبة لاتهام "القوات اللبنانية" زورا وبهتانا.
وفي 25 كانون الثاني 2011 بقيت المناطق المسيحية هادئة لأن حرص "القوات اللبنانية" على هذه المناطق يفوق وعيك وقدراتك الإدراكية، ففهم المسيحيون أنه حين لا ترسل يا عون المأجورين لديك، أو حين لا ترسم سيناريوهات وهمية وتبني عليها لتستدعي أسيادك من حملة السلاح لاجتياح هذه المناطق فإن لا شيء ينغص على المسيحيين حياتهم… ولم تنفع أنت وإعلامك في اختلاق أخبار كاذبة لتتهم "القوات" بأنها تسعى الى قطع طرقات أو التعرّض للمواطنين.
في 23 كانون الثاني 2007 وقف الجيش اللبناني متفرّجا ما هدّد فعلا السلم الأهلي لأن ثمة فريقا نزل الى الشارع يحمل السلاح ولم يصدّه الجيش. أما في 25 كانون الثاني 2011 فكان الجيش على قدر المسؤولية ومارس دوره في التصدّي لأعمال الشغب، على أمل أن يمارس مسؤولياته وواجباته دائما وألا تبقى في لبنان منطقة عصية عليها بدءا من الضاحية الجنوبية علّنا نجد في أقبيتها جوزف صادر أيضا.
نعم يا عون، نحن بين منطقين: منطق الدولة التي جسّدتها قوى 14 آذار ومنطق دويلة "حزب الله" والانقلاب على الدولة اللبنانية الذي جسّدته قوى 8 آذار في أكثر من محطة كانت قمّتها في 7 أيار 2008.
منطق الدولة جسّدته قوى 14 آذار بمختلف أطيافها، وفي طليعتهم الرئيس سعد الحريري الذي قدّم التنازل تلو التنازل حرصا على الوحدة الوطنية، تنازلات كانت تلاقي سخطا في قواعد 14 آذار الى درجة أن وقاحة "حزب الله" وجماعة سوريا وصلوا الى درجة مطالبة الحريري بالتخلي عن المحكمة الدولية تحت وطأة تهديد الدولة بأكملها. وهذا ما دفع النائب وليد جنبلاط الى الانقلاب على نفسه والرضوخ أمام التهديدات.
وفي المقابل كان منطق دويلة "حزب الله" والانقلاب على الدولة اللبنانية. هذه الدويلة مارست المناورة على اللبنانيين لامتصاص مفاعيل ثورة 14 آذار، فقبلت مخادعة قيام المحكمة الدولية على طاولة الحوار الوطني في آذار 2006، قبل أن تشن حرب تموز 2006، وتعطّل المؤسسات في اعتصامات وسط بيروت اعتبارا من 1 كانون الأول 2006 ولمدة 18 شهرا، ثم انقلاب 23 كانون الثاني 2007، ومحاولة وضع خطوط حمر على مخيم نهر البارد، وصولا الى القمة في 7 أيار 2008 مع استخدام معادلة السلاح في الداخل لفرض الرغبات السياسية، والتي أوصلت الى منع حكم الأكثرية البرلمانية في حكومتين متعاقبتين بعد اتفاق الدوحة، وصولا الى فرض تغيير التحالفات تحت وطأة السلاح لقلب الأكثرية النيابية التي أنتجتها انتخابات الـ2009 وإسقاط حكومة سعد الحريري والإتيان بنجيب ميقاتي لترؤس حكومة جديدة بعد عملية إخراج مدروسة لتظهير الانقلاب بمظهر دستوري!
ليس الصراع اليوم أبدا بين اسمي سعد الحريري ونجيب ميقاتي. الصراع اليوم بين الشرف والكرامة والسيادة وبين الرضوخ لحملة السلاح.
هذه هي حقيقة الصراع يا ميشال عون، وأنت فيه لست أكثر من قناع تافه لبعض ممارسات "حزب الله". إنه الصراع بين منطق قيام الدولة في لبنان، الدولة الحرة والسيدة والمستقلة والمتعددة والمتنوعة التي تحمي الحريات وتظللها العدالة الحقيقية، وبين منطق دويلة الولي الفقيه التي تبقي لبنان ساحة مفتوحة للحروب والطموحات الإيرانية…
هذا هو الصراع، وهذه هي طبيعة المعركة التي سيخوضها اللبنانيون مرة جديدة من ساحة الحرية لاستكمال تكريس حرياتهم في مواجهة سلطة الوصاية الفارسية الجديدة التي يجسّدها "حزب الله".
فإلى اللقاء في ساحة الحرية…