#dfp #adsense

إفشال الوسطاء لمصلحة سيناريو “الانقلاب”

حجم الخط

عندما أخرج السيد حسن نصرالله قضية الاتهامات لعناصر من "حزب الله"، وفجّرها علنا في حزيران الماضي، كان قد حسم أمره بأن المسألة لا تعالج داخليا وانما يجب استدعاء تدخل خارجي عربي ودولي. ومنذ تلك اللحظة ارتسم الخيار بين بقاء المحكمة الدولية والمضي في اعداد القرار الاتهامي، وبين الانقلاب على الحكومة والسلطة لنسف الارتباط اللبناني الرسمي بالمحكمة. لم يكن الامر قابلا للتحاور داخليا، ولا على المستوى الثنائي الضيّق بين نصرالله والرئيس سعد الحريري، أو في مجلس الوزراء ولجنة الحوار إلا لعرض مطالب "حزب الله" وشروطه، وبالتالي حمل الآخرين على التسليم بها.

لم يكن هذا الخيار معبّرا عن الحزب باعتباره مستهدفا بمؤامرة اميركية – اسرائيلية فحسب، وانما عن نقاش وتنسيق مع سوريا وعن توحيد للمواقف والاهداف معها، برعاية ايرانية لا بد منها. وعلى هذه الخلفية نشأت المساعي السعودية – السورية، ومنذ لحظتها الاولى فهم "فريق 14 آذار" انه سيدعى عاجلا أو آجلا الى تنازلات قاسية لكنه أمل بأن تكون هناك تسوية متوازنة تعوض تنازلاته بمكاسب تعزز دور الدولة والمؤسسات. أما "فريق 8 آذار" فأشاع ان للدور السعودي وظيفة واحدة هي تلبية مطالبه، فاذا كان له نفوذ على المستوى الدولي، لا سيما الاميركي، فما عليه سوى أن يستخدمه لـ"انقاذ" الحريري وفريقه من المصير الاسود الذي ينتظرهما. وكل ما نقل عن المصادر السورية، ولم يُنفَ، كان يغذي هذا الاعتقاد، وكان ذلك مفهوما لأن دمشق لم تبدل موقفها الرافض أساسا للمحكمة الدولية حتى بعدما سرّب اليها ان التحقيق لم يتوصل الى ما يدينها.

أصبح واضحا الآن أن السعودية تحركت بذهنية تصالحية، مبنية على استمرار تقاربها مع سوريا، وكذلك على حرصها على الاستقرار في لبنان، كما أنها عبرت مرارا عن تطلعها الى أن أي تسوية يجب ان تدعم مكانة الدولة ودورها لا أن تزيد تسلط النهج الميليشيوي الذي ينخر في أساس موقعها. لكن السعودية عوملت كما لو انها استدرجت الى دور لا تريده، وبعدما شرعت في مساعيها عوملت كما لو أنها وقعت في فخ. في الوقت نسه بقي الشريك السوري في المساعي متحررا من أي التزامات، بل أوحى بأنه ضامن الاستقرار في انتظار الحل وأن هذا كل ما يمكن ان يتوقع منه. لكنه لم يمنع نفسه من المساهمة في الضغوط التي كان يمارسها "حزب الله" بل زاد عليها "مذكرات التوقيف"، وشددها بوضع عقبة "شهود الزور" لتعطيل مجلس الوزراء.

كل الخطوات التي قام بها ثنائي دمشق – "حزب الله" خلال "المساعي" إياها، كانت تمهد لـ"الانقلاب" وليس لتسوية. إذ لم يكن السوريون يجهلون أنهم دفعوا المسعى السعودي الى أهداف لا يمكن تحقيقها طالما انها تتعلق بقبول اميركي لتفويض جديد لسوريا في ادارة مباشرة للشأن اللبناني. واذا كان لمثل هذا التفويض ان يحصل فلا بد ان يتم اثر تفاهم مباشر بين دمشق وواشنطن، وبعلم الرياض ومباركتها. ورغم التوصل الى بنود مكتوبة للتسوية منذ منتصف شهر آب الماضي، وابلاغ الحريري الملك عبدالله موافقته عليها، إلا أن التسوية جمدت. ولم يعد خافيا الآن انها متوازنة، أي انها تتضمن التزامات متبادلة بين الطرفين، لكن اعلام "حزب الله" يحرص فقط على إظهار النقاط الثلاث المتعلقة بقطع علاقة الحكومة اللبنانية مع المحكمة الدولية. هناك من يقول ان التسوية جمدت في درج نصرالله، والاكثر واقعية انها جمدت بارادة دمشق و"حزب الله". لماذا؟

في الفترة الاولى كان التجميد لاعطاء الاتصالات السعودية فرصتها مع واشنطن، وفهمت سوريا ان تلك الاتصالات لم تحدث الاختراق الذي توقعته. في الفترة التالية استغل سفر العاهل السعودي للعلاج كتبرير للتجميد، وخلال ذلك زار الرئيس بشار الاسد باريس لمقاصد عدة أبرزها التأكد من آفاق الجهود السعودية. وفي غضون ذلك بوشرت حملة شديدة على سعد الحريري، وكانت دعوته الى ايران جزءا منها لكي يسمع من المرشد علي خامنئي رأيه الحاسم في المحكمة الدولية، وبالتالي ليفهم ما يجب عليه أن يفعله. ركزت الحملة على تصوير الحريري بأنه يحرج الملك عبدالله وقد يتسبب بافشاله، وأنه اذا قدم التنازلات المطلوبة سيسجل له الفضل في "انقاذ" المسعى السعودي. وعندما صرح الحريري بأن التسوية جاهزة وأنه قام بخطوة ولم يقم الطرف الآخر بالمطلوب منه، قيل إنه ذاهب الى نيويورك ليتلقى اللوم السعودي على ما قاله وانه سيعود لينفذ ما تنتظره منه سوريا و"حزب الله". ثم قيل إنه استخدم لقاءه مع هيلاري كلينتون ثم مع باراك أوباما، فضلا عن نيكولا ساركوزي، للاستقواء على الضغط السعودي الذي صورته دمشق و"حزب الله" بأنه لمصلحتهما ضد الحريري وضد أميركا.

ينبغي الكثير من السذاجة لتصديق كل ذلك. فالحملة الشخصية على رئيس الوزراء رمت الى استفراده واستضعافه لانتزاع تنازل منه خارج سياق التسوية، وبالتالي لحرقه سياسيا، أو لـ"اغتياله سياسيا" وفقا لتعبيره. ولكن، على سبيل المصارحة، هل كانت التسوية بالتزاماتها المتبادلة قابلة للتنفيذ؟ نعم. وبمعزل عن رأي اميركا او فرنسا او اسرائيل؟ نعم. وهل كانت لمصلحة لبنان الدولة والمؤسسات؟ نعم… في المقابل، هل كانت السعودية تطمح من خلال هذه التسوية الى مصالح خاصة ونفوذ زائد؟ لا. وهل كانت التسوية ستحقق لسوريا وايران ما خططتا له باستدراج المسعى السعودي؟ لا… فلا عجب اذا أن ترفع الرياض يدها عن التسوية، ولا عجب أن يخفق المسعى التركي – القطري لأنه أريد توظيفه بالطريقة ذاتها، ولا عجب أن يعطى الضوء الاخضر السوري – الايراني للبدء بـ"الانقلاب" عبر التركيز على "الوسائل الديموقراطية" بوطأة "سلاح المقاومة"، ثم عبر تفعيل هذا السلاح في الداخل. وبذلك تعوض دمشق "التفويض الدولي" الذي لم تحصل عليه بـ"تفويض ذاتي" وآخر ايراني، استنادا الى أن القوى الدولية سبق أن برهنت محدودية خياراتها. وأي حكومة جديدة في لبنان، اذا لم تنفذ تسوية متوازنة، ستؤسس لأزمة مقبلة أكثر تعقيدا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل