#adsense

انتفاضة “أريج الياسمين” اللبنانيّة: 14 آذار هي الممثل الشرعي للكيان

حجم الخط

قالَ ذات مرّة إنّ لبنان ليسَ أوكرانيا أو جيورجيا، وإن لا تغيير فيه ولا حرّية تفد إليه، ونزل الشعب إلى الشارع، فكان التغيير جلاءً ومناصفةً ومحكمة دولية.
وقالَ بعدها ما يؤيّد قمع الثورة الخضراء المظلومة التي قضّت مضاجع الظلمة سائلة عن الأصوات المسلوبة. وهذه كانت أحقّ ثورة في العقد الأوّل من هذا القرن، ثورة لو تأمّن لها الإنتصار لولدَ منها الشرق الجديد والقويّ.

غير أنّه بعد ذلك، ولمّا أقبل الحدث التونسيّ، وفاح عطر الياسمين والفلّ من شمال إفريقيا، خرج يناصر، ثم يصادر، فلم يهاجم الديكاتورية بحدّ ذاتها، إنّما أغار على الأسس الجمهوريّة العلمانية، وتشفّى بسياسة الإعتدال التي يعدّها الشعب التونسيّ من المكتسبات التاريخية الإستقلالية البورقيبية.

والآن هو يواصل إعطاء النصائح لأحرار في تونس لديهم ما يكفي من وعي ودراية، وما يكفي من وصل مع قيم الأنوار والحداثة. وفي الوقت نفسه، فإنّه يتمثّل بالديكتاتور الذي أزاحته تونس، مستصغراً شأن الثورة التي خرج إليها الشعب اللبنانيّ ابتداء من أول أمس، ثورة الياسمين اللبنانية، ثورة تبدأ بالغضب ولا تنتهي إلا بإعلان يوم الحقيقة.

قالَ انّ لبنان ليس جيورجيا ولا أوكرانيا. فأجابه الشعب قبل خمس سنوات بأنّه لا ينقصه ما يتحلى به الشعب الحرّ في أوروبا الشرقية. وأجابه الشعب على امتداد الخمس، أو الست سنوات، بأنّه أكثر قدرة على الاحتمال من كلّ شعوب شرق أوروبا، وبأنّه حتى عندما تتوقف مسيرة الديموقراطية عن التوسّع شرقاً، وحتى عندما تنتفخ شاهنشاهية الممانعة، فإنّ الإرادة الديموقراطية الإستقلالية اللبنانية لم تندثر، ولو أنّها سعت دائماً الى البحث عن كلمة سواء، واشتاقت دوماً للحوار الجادّ وأبدت كل رحابة صدر لتسويات تقوم على التنازلات المتبادلة في الإطار الشرعيّ والقانونيّ الصالح لذلك وليس خارجه.

قال انّ لبنان ليسَ جيورجيا ولا أوكرانيا. وهاجم ثوّار إيران ومدح ثوار تونس. لكنه وبعد أن عقد العزم على فرض الديكتاتورية المذهبية، التي هي "بالكاد مقنّعة"، خرج الشعب اللبنانيّ الاستقلاليّ ليقول إنّه في حال لبنان يمثّل أريج عطر الياسمين.

وكما وصفت الديكتاتورية في تونس المتظاهرين بادئ ذي بدء بأنّهم دعاة شغب وهرج ومرج، هكذا مشروع الديكتاتورية الفئوية المذهبية وأتباعه في لبنان يصفونهم.

وكما قالت الديكتاتورية في تونس للمتظاهرين في الأسبوعين الأولين انّ تحركاتكم لن تغيّر شيئاً، وانّ بينكم مندسّين، ومسلّحين، وإلخ، إلخ، هذا حال الديكتاتورية المذهبية ومشروعها المدجّج بعشرات الآلاف من الصواريخ في لبنان.

شغب.. شغب.. شغب.. أولئك الذين تندّروا وشنّعوا على نظام الرئيس التونسيّ المخلوع زين العابدين بن عليّ وهو يلتجئ إلى هذه الكلمة، يحاولون اليوم أن يتستّروا ويشنّعوا على انتفاضة الياسمين اللبنانية، انتفاضة الرفض الشعبي الجماهيريّ لاضطهاد طائفة من موقع طائفة أخرى، وانتفاضة الرفض الشعبي الجماهيريّ للدعوات التي يطلقها حثالة "الإعلام الحربيّ الإرهابيّ" للعودة بالبلاد إلى الزمن الأسود، زمن النظام الأمنيّ وجلاوزته، زمن قمع الطلاب والمثقفين، زمن تدجين الطبقة السياسية بكاملها، زمن التبديل الجذري لصورة لبنان الديموقراطية العربية المتوسطيّة ولمعالمه الثقافية والحضارية.

بل هي أكثر من ذلك، وقبل كلّ شيء، انتفاضة رفض خضوع لبنان للوليّ الفقيه، ورفض خضوع لبنان لمرشد محليّ أعلى فوق جمهوريته، بالضدّ من الميثاق الجامع للعائلات الروحية اللبنانية، وعلى أساس فرض قراءته الأيديولوجية المغالية للتاريخ، في ضوء مخيال فئوي متوتّر بعينه، على ما سمعنا ورأينا.

إنّ الشعب اللبنانيّ ما عاد يخاف، ولا عادَ يؤمن بـ"مفاجآت" ليسَ فيها ما يدفعه إلى التقدّم والتطوّر على طريق الحداثة والديموقراطية والبحبوحة والسلام.

لقد انهار الخوف بالأمس بعد أن عوّلوا عليه كثيراً، وما زالوا يعوّلون. فمنذ 7 أيّار حلّ في لبنان "نظام للخوف" هو أخطر من النظام الأمني الذي كان قائماً قبل استقلالهم الثانيّ. وقد واجه اللبنانيّون نظام الخوف في انتخابات حزيران 2009 وانتصروا عليه ديموقراطياً، لكنّ نظام الخوف استطاع في ظروف وملابسات معيّنة إعادة فرض الخوف على قسم ضئيل من الأكثرية النيابية المنتخبة على أساس انضوائها في المشروع الاستقلاليّ وضدّ معادلات السلاح ولأجل العدالة وليسَ أبداً لسواد العيون. وتصوّر نظام الخوف أنّ تأثيره على القسم الضئيل هذا سيتفشّى في الأكثرية النيابية الاستقلالية المنتخبة ويضعضعها، فكان الردّ، شعبياً، طاهراً، يقسم بالورد وبالياسمين بأنّهم لن يمرّوا، لأنّهم إذا مرّوا فلا قيامة أخرى للبنان، ولا ميثاق، ولا دستور، ولا عيش مشتركاً، إنّما ظلام وظلام وظلام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل