يختزل مشهد الأمس كل مشاهد الغد.. ويحمل من بدايته كل ملامح المرحلة الآتية في لبنان. وهي ستكون استناداً الى مقدماتها، مشتعلة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والسوق المالية، قبل أن تكون في الأمن.
مرحلة ستكون محكومة بمنطق إلغائي يقابله منطق وجودي. والمنطقان يحملان صفة مصيرية بامتياز. لا المشروع الانقلابي سيقبل أن تفلت من يده فرصته الأكبر والأهم منذ ست سنوات للعودة الى الإمساك بما أفلت منه.. وكذا الحال عند أهل المشروع السيادي، المستند الى حقه في ممارسة وزنه التشريعي والشعبي، والتزامه نهج الدولة، ومحاولة السير على حافة العدالة (من دون الوصول إليها)، حيث يكفيه أن يعرف هو، وكل من يريد ومن يشاء، جزءاً من الحقيقة المنشودة.. والقريبة.
ولا بأس ببعض التمويه المعتمد في هذا السجال الوجودي.. حيث يعود الفريق الانقلابي والمستند الى سلاحه قبل استناده الى أي شيء آخر، للاصطفاف تحت لافتة الدستور، أو الاستفاقة أخيراً الى الممارسات التي يفرضها النظام الديموقراطي، بعد أن ظلّ على مدى السنوات الماضية، وفي الأشهر الأخيرة خصوصاً وتحديداً وتكثيفاً يطلق خطاباً تهديدياً من أوله الى آخره يستند الى كل شيء إلا الى ألف باء ذلك النظام وفروضه وشروطه.
وليطلق الرئيس المكلف ما يشاء من شعارات ووعود وعهود آتية في مجملها من مقولة "المحافظة على الصلاحيات"، غير ان العنوان يكفي ويلغي عناء القراءة التفصيلية. فمن أتى به، سيفرض عليه برنامجه من دون تمويه. ولا يجوز استغفال العامة أو الخاصة، أو استغباء الناس. فهذا مقام لا يحتمل المزاح، ولا التشاطر ولا التذاكي ولا الادعاءات الكبيرة: هناك مشروع تفصيلي وُضع على أساس أن قوى 8 آذار ستنفذه بعد "فوزها" في انتخابات العام 2009. وهو يشتمل على خطوات محددة في كل شأن بدءاً من المحكمة الدولية الى "علاقات" لبنان الخارجية ودوره فيها، وصولاً الى التعيينات الأمنية والإدارية والقضائية والديبلوماسية، صعوداً الى كل شأن تنموي أو مالي أو اقتصادي أو إعلامي أو سياسي..الخ. وآخر من يضعه في حسبانهم أهل ذلك المشروع، هو وقوف الاعتبار الجليل الخاص "بصلاحيات" رئاسة الحكومة في وجههم…
تأخر التنفيذ، بفعل هزيمة أصحابه في تلك الانتخابات، ولم يكن ممكناً لاعتبارات إقليمية ودولية أولاً وأساساً، تنفيذه بالقوة العارية، لكنه لم يتراخَ ولم يتراجع. وبانت الآن فرصته الذهبية التي لا تُعوّض.
في الجانب المتمم لهذه الصورة تقيم الخريطة الأعرض من ساحة لبنان، وفي ذلك حديث يطول طول تلك الخريطة الممتدة من المحيط الى الخليج…أما حديث الانقاذ والتوافق والوسطية، فلا حاجة اليه في مقام الغرق والفرض والأحادية السافرة!