أبشع ما في العمل السياسي هو أن عدم الوفاء والخيانة يبدوان تقليدين. فالتاريخ مملوء بالبراهين على ذلك. والتاريخ الحديث من سقوط الرئيس التونسي المخلوع بن علي الى أحداث لبنان يؤكد هذا الواقع في العمل السياسي. فمن يسمع الرئيس الفرنسي يؤكد أن فرنسا ملتزمة البحث عن الثروات التونسية المسروقة لإعادتها الى الشعب التونسي يتذكر كيف كان وسلفيه الرئيسين ميتران وشيراك يشيدون بعمل بن علي وإنجازاته في تونس على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
فالمدهش أن هذا الرئيس التونسي المخلوع الذي كان في عيون المدافعين عنه وداعميه رئيساً مميزاً لم يجد دولة من بين أصدقائه الأوروبيين لتستقبله بل أسرعت في إغلاق الأجواء له. فالتاريخ الحديث والقديم مملوء بهذه الوقائع. كيف ننسى الانقلاب على شاه إيران عندما رفضت جميع الدول الصديقة له باستثناء مصر استقباله مريضاً ومنبوذاً من شعبه.
وها نحن نشهد أيضاً الخيانات نفسها في لبنان إما بداعي إرضاء الراعي السوري أو لتحقيق طموحات في مناصب وزارية. فالرئيس سعد الحريري وكل فريق 14 آذار عليه أن يتلقى درساً مريراً من العمل السياسي. فالوفاء ليس من شيم العمل السياسي لسوء الحظ، وفي لبنان ثمنه باهظ بسبب استعادة هيمنة الجارة السورية وإيران على الحياة السياسية فيه.
إن ثورة 14 آذار من أجل الاستقلال وحرية اختيار مصير البلد تصطدم مجدداً الى اشعار آخر بهيمنة القوى الإقليمية عليه. فحكومة الرئيس ميقاتي ستشهد اعترافاً من جميع دول الغرب التي بقيت ساكتة على هذا الواقع الجديد. والمحكمة الدولية ستستمر ولا أحد يشك في ذلك، حتى لو انسحب لبنان منها، فهي أُنشئت وسيوجد تمويل آخر لها وستكشف مَن قام بالاغتيالات، فهذا على الأقل أمر مطمئن على رغم أن الملاحقات والتوقيفات والمحاكمات ستكون موضوع علامة استفهام، ولكن على الأقل سنعرف الحقيقة مهما طمسها لبنان القديم – الجديد الذي استعاد الهيمنة الخارجية على قراره واختيار سياسييه.
ولا شك أيضاً، وبناء على أن لا وفاء في العمل السياسي، في أن كل أصدقاء الحريري بالأمس في دول العالم، من فرنسا الى الولايات المتحدة وغيرهما، سيباركون حكومة ميقاتي وعملها ويستمرون في دعمها، خصوصاً إذا طعّمها ميقاتي بكوادر تكنوقراطية من شأنها أن تجذب صداقات الغرب. فلسوء الحظ سرعان ما تتخلى ديموقراطيات الغرب عن القيم وعن التزاماتها ووعودها. وتأكيد رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وغيرهما على استقلال لبنان لا يعني شيئاً. فهم يدعمون من يخدم مصلحتهم. ففرنسا ملتزمة بصداقتها الوثيقة بسورية، ولها 1500 جندي في جنوب لبنان وتريد مظلة حماية لهم، كما أنها تبحث عن دور لم تحصل عليه، ولكنها ما زالت تحاول حتى أن سورية لم تعطها دوراً في مجموعة الاتصال! أما الولايات المتحدة فقد أعادت سفيرها الى دمشق اثناء تطورات لبنان.
لقد بدأ الآن فصل جديد في لبنان من نفوذ «حزب الله» والعماد ميشال عون والقوى الإقليمية السورية – الإيرانية مع غطاء حضاري ورئيس جديد للحكومة يحظى باحترام دولي، فالعمل السياسي لا يتماشى مع الوفاء. وتاريخ الحياة الديموقراطية في فرنسا مملوء بذلك. ألم يخُن الرئيس شيراك أقرب المقربين له رئيس حكومة التعايش في عهد الرئيس ميتران ادوار بالادور وحليفه آنذاك الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، الذي بقي لفترة طويلة يدفع ثمن هذه الخيانة خلال عهد شيراك؟
والمغزى أنه مهما كانت الخيانات والانقلابات فالأيام تمر ودور القوى الاستقلالية سيعود. فالرئيس سعد الحريري زعيم سياسي أساسي في البلد وقد أراد من اغتال والده إلغاء زعامته ولم يتمكن على رغم اغتياله. فمحاولة إلغاء سعد الحريري على رغم الانقلابات عليه مستحيلة.