ملفتة الأناشيد الاحتفالية سياسياً وإعلامياً (وأخلاقياً!) عند قوى 8 آذار بالنتائج التي آلت إليها أمور الرئيس سعد الحريري وقوى 14 آذار عموماً.. وكيفية انقلاب عاليها سافلها في ميزان الأحجام والأوزان، وصولاً الى "الأسباب" التي أدت الى كل ذلك حيث تختلط في هذا الشق الأخير الشماتة بالتحليل ولا تنتج إلا تركيبة لغوية بائسة الى آخر حدود البؤس.
وعلى عادة أداء تلك الماكينة المرصوصة التي لا تهدأ، دخلت الشعارات العريضة والفضفاضة بكل فخامتها لتستر عورات البلف والتزوير والانتقائية، بحيث أن جملة واحدة تجيب عن كل سؤال وتحجب كل افتراء: انتصرنا وانهزمتم! تماماً مثل القول أن قوى 14 آذار ساعدت الإسرائيلي ضد المقاومة. تآمرت وارتبطت.. الى آخر المعزوفة المعروفة والمنتوفة من دون أن يتوقف ابن آدم واحد من رواد التشفّي والكيد ليجادل في هذه القضية الكبيرة والخطيرة، ولا ليسأل مثلاً كيف لهؤلاء الأغيار "المتآمرين" كل تلك الإمكانات التآمرية الجبّارة، كيف تآمروا وأين؟ في حين أن الوقائع المعلومة والمعلنة تفيد أن الرئيس سعد الحريري مثلاً وتحديداً بُحّ صوته سراً وعلانية وهو يقول (ويفعل) شيئاً آخر تماماً عن المقاومة وسلاحها (المقاوم ليس الفتنوي) من أمام البيت الأبيض الى قلب بيت الوسط، وصولاً الى الشريط المسرّب عن أقواله أمام لجنة التحقيق الخاصة بالمحكمة الدولية.
غير أن الأمر الاستطرادي هذا، لا يغيّب الفكرة الأولى لهذا البيان، حيث المفارقة تفيد بأن قوى الممانعة والمناتعة تحتفل في هذه الأيام بـ"انتصار آخر"، وتقدم في سياق ذلك مطوّلات ومطالعات تشيد بأدائها وإمكاناتها، وتنتشي بـ"خطايا" الفريق الآخر التي أوصلته الى الخسران.
احتفال بالنتيجة تواكبه تعمية عن أسبابها وأساليب الوصول إليها.. بحيث أن الوقائع الصارخة تفيد بأن قوى 8 آذار رغم آلتها الحربية المدجّجة بالسلاح والإعلام والمال والأمن والتنظيم المرصوص، والارتباطات الإقليمية "الطاحشة" والشعار الكبير الخاص بمقاومة إسرائيل الذي يغطي كل الصغائر.. رغم كل ذلك لم تستطع "هي" أن تُسقط الحكومة والأكثرية، بل استندت في "نصرها" هذا الى الفريق الآخر تحديداً، وإلى أفعال، تفرض مقوّمات الاحتشام والأدب واللياقة عدم إعلان توصيفها الصحيح!
ليست قصة هيّنة أو بسيطة هذه: لم تأت النتيجة موضع الاحتفال بسبب قدرات وإمكانات وقوة حجّة وبيان وشعار وبرنامج وأداء الممانعين في لبنان الحديث..كما لم تأت بسبب تقديمهم أجوبة شافية كافية وافية على أسئلة قلق اللبنانيين واحتياجاتهم، كلهم من دون استثناء أو تمييز، إنما جاءت نتيجة "عطب" أخلاقي مُغطّى بحسابات سياسية في بعض صفوف 14 آذار.
.. كما جاءت تلك النتيجة، بسبب ممارسة تسلّطية لا نقاش فيها، بحيث أن الخلل الأساسي والمركزي القائم بين الفريقين ما كان ليوصل إلا الى ما وصلنا إليه. نقطة قوة 14 آذار هي تماماً نقطة ضعفها: الحوار وليس السلاح، الشرعية وليس الشارع، السلم الأهلي وليس الفتنة، الأداء المدني وليس صليل الحراب والصواريخ، الدولة الحديثة وليس الثكنة العسكرية، المكتبة وليس الملجأ المصفّح، الكتاب وليس المسدس!
خلل كبير وحاسم.. لكنه في نهايته لن يؤدي إلا الى إعادة تأكيد الانتصار للمنطق الأول. منطق العدالة والدولة والشرعية، والدور الإقليمي المتواضع. منطق لبنان أولاً وثانياً وثالثاً وعاشراً وإلى آخر العدّ. وفي ذلك لا يُخطئ اللبنانيون الحساب، بل يترجمونه كما فعلوا في كل مرة من خلال صناديق الاقتراع وكوامن الصدور ودواعي المنطق والعقل.. حيث حريتهم التامة مسوّرة بغطاء مخملي لا تخرقه أصوات التهديد ولا الانتشارات الميليشيوية المنظمة عند الفجر ولا السلاح ولا الصياح.
نترك السياسة لنقرّب الأخلاق.. وفي ذلك يصحّ القول إنه لا يحق لمنظّري الانقلاب أن يحتفلوا، طالما أنه حتى انقلابهم هذا (وهو البديل من الهزيمة في السياسة والبرنامج والمنطق والانتخابات وشروط الأوطان) ما كان ممكناً لولا انقلاب أخلاقي في بعض صفوف الخصم.. وهذه على أي حال، ليست مسألة تفصيلية عابرة، بل هي الحقيقة العارية. تواضعوا قليلاً!