مادامت قوى 14 آذار قد قررت العودة إلى نقطة البداية، إلى ساحة الحرية، وقد تأخرت كثيراً في إعلان ذلك، ومادام بيانها في الأمس، دعا الى استعادة الزخم الشعبي الذي بعثرته قواها وأحزابها وتياراتها بأخطاء كثيرة راكمتها، فمن الأجدى أن تتنبّه الأمانة العامة لـ14 آذار بأنها بدأت بيانها من النقطة الخاطئة، على الأقل هذا ما كشفه الأسبوعين الماضيين عندما قُطِعَ الشك باليقين بأن ما يسعى إليه حزب الله هو السيطرة على لبنان وبقدر ما يتيح له الوقت ذلك هو في انتظار اللحظة المؤاتية لإعلان دولته فيه، وهذا الأمر بات وشيكاً جداً لمن يريد أن يرى أبعد من أنفه.
إن التلهي بنجيب ميقاتي وبتعيين حزب الله له رئيس حكومة هو مضيعة للوقت، وحتى التلهي بموضوع المشاركة في حكومة حزب الله من عدمه هو هدرٌ للجهد اللبناني في المكان الخطأ، فالأهم الآن مواجهة الانقلاب الناعم الذي نفذه حزب الله، الأهم هو حماية لبنان نفسه، ما دام الرئيس نجيب ميقاتي قرر تكريس موقعه لحماية الحزب وليس لحماية لبنان من حزب الله وسلاحه، فلا ينتظرن أحد شيئاً من رجل قرر السير في ركاب مشروع الممانعة بظن خاطىء منه أن حزب الله سيثمن له خدمته الجليلة بشق صفوف الطائفة السنية ليكون القناع السُني الذي يتلطى الحزب وراءه بعد حاجته الشديدة إلى أداة تلعب دور رئيس حكومة، تماماً على شاكلة الدور الذي لعبه ميشال عون على المستوى المسيحي!!
وما ننشره هنا يُفترض أن يكون عنوان المعركة الحقيقية المتوجب على اللبنانيين خوضها لأنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من خسارة وطنهم ودولتهم، ففي مقابلة أجرتها صحيفة اطلاعات الإيرانية في نهاية الشهر الأول من عام 1984، مع سفير إيران في لبنان حجة الإسلام فخر روحاني تحدث فيها عن لبنان فقال: "لبنان يشبه الآن إيران عام 1977، ولو نراقب ونعمل بدقة وصبر، فإنه إن شاء الله سيجيء إلى أحضاننا، وبسبب موقع لبنان وهو قلب المنطقة، وأحد أهم المراكز العالمية، فإنه عندما يأتي لبنان إلى أحضان الجمهورية الإسلامية، فسوف يتبعه الباقون"..
عندما حذر النائب نهاد المشنوق من أن ما يحدث انقلاب إيراني وسيطاول كل الدول العربية أطلق كلامه من موقع المتتبع الراصد لمسار المنطقة وأحداثها، كان وحده محيطاً بحقيقة ما يحدث رافضاً أن يغرق في التفاصيل الداخلية الصغيرة، فيما المفوهين من صقور 14 آذار يتلهون بالتنظير لعدم دستورية الانقلاب، أما المتشنجين فقد ظنوا الوقت سانحاً ومؤاتياً علهم يستقطبون الجمهور بتهييج الغرائز المذهبية، فيتلهّون بيوم غضب من هنا، أو بنشاط شعبي يريدون استعادته رويداً رويداً من هناك، فيما الوقت بات داهماً وشديد الخطورة، وقد حبانا الله في لبنان بنماذج كثيرة من أمثال ميشال عون ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط، الذين لا يستطيع الشعب اللبناني أن يعول عليهم لأنهم يبيعونه بأبخس الأثمان!!
في 11/1/1984، نقلت صحيفة النهار عن السفير روحاني قوله: "لبنان يشكل خير أمل لتصدير الثورة الإسلامية". مبكراً أدركت إيران أنها لن تستطيع أن تصدر الثورة بسهولة – وتصدير الثورة هنا يعني وضع إيران يدها على العالم العربي بعد تخريبه وهز وهدم أنظمته ونشر التشيع في أوساطه الشعبية – وبعدما مكنت لحزب الله في ثمانينيات القرن الماضي بسمعة رهيبة بفعل عمليات النسف والتدمير وعمليات الاغتيال وخطف الطائرات والرهائن الأجانب، غيرت تكتيك ضرورة استمراره ليتمدّد في العالم العربي بصورة ظاهرها لماع اسمه المقاومة، وباطنها مشروع كارثي على المنطقة العربية، وهو حقاً مشروع إعادة الحياة إلى الامبراطورية الفارسية الميتة!!
وحزب الله اللبناني عضو في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذي تأسس في طهران عام 1981، وفي 29/10/1983 وبعد تفجير مقري المارينز ووحدة المظليين الفرنسيين أرسلَ "حزب الله ومعه تجمع العلماء المسلمين – وكثير من اللبنانيين مازالوا يذكرون رائد فتنة إعادة الشرخ بين المسلمين والمسيحيين عام 1983 الشيخ عبد الحفيظ قاسم، وخليفته اليوم الشيخ ماهر حمود – البرقيات التالية للخميني ومجلس الدفاع الأعلى للثورة الإسلامية في إيران: "إن شعبكم المسلم في لبنان والمرتبط بولايتكم يرفع إلى مقامكم أسمى التبريكات والتهاني لمناسبة انتصار حماة الإسلام.. نرفع إليكم التهاني ببركة حركتكم الشعبية المتصاعدة في لبنان وفي بيروت حيث الضربة الحيدرية والخمينية لمقري قيادتي القوات الأميركية والفرنسية".
أما الأخطر فقد تجسّد في موقف حزب الله من لبنان "الوطن والرسالة والعيش المشترك" وذلك في بيانه التأسيسي والذي سُمّي بالرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985 مُسجّلاً فيها موقفه من الحكومة اللبنانية بتساؤله: "لماذا نواجة النظام القائم، هذه هي روايتنا وتصوّراتنا عمّا نريد في لبنان وعلى ضوء هذه الرؤية والتصورات نواجه النظام القائم لاعتبارين أساسيين:
1- لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزء من الخارطة السياسية المعادية للإسلام.
2- لكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي أصلاح او ترقيع بل لابد من تغييرها من جذورها.
هذا غيض من فيض رؤية حزب الله للبنان كدولة، فحتى لا تضيع الجهود والدماء والتضحيات هباءً، خريطة الطريق لحماية لبنان وحق شهدائه في معرفة ومعاقبة قتلتهم، أن يتحرّك اللبنانييون في مواجهة وسيلة حزب الله وهي السلاح، لا بمواجهة أدواته لأنها سترمى في سلة المهملات متى انتفت الحاجة إليها كأقنعة زائفة لا أكثر!!