لعل أسوأ الضرائب غير المادية التي يتكبدها اللبنانيون في أزمنة الانقلابات والواقعات الكبرى التي تخلّف خسائر وهزائم من هنا وانتصارات من هناك، هي اضطرارهم الى تلقي مزيد من الشحن النفسي واللفظي والخطابي تحت عناوين خادعة من مثل تلك التي بدأت تملأ الواجهات في هذه الفترة الانتقالية من "عهد" الى "عهد". فالفريق المنتصر يتطوع بالنصح الشامت للفريق المهزوم بمراجعة الذات والسيرة والمسار من موقع الكاسر، موهماً اللبنانيين ان شطارته وحدها وفرت له هذا الانتصار على خصمه. والفريق المهزوم ينكفئ عن الافصاح عن قراءته واستخلاصاته الواضحة والعلنية لما جرى فيبدو في موقع لا يحسد عليه اطلاقا ما لم يعمد الى تصويب الميزان المختل بما يفترض انه يملكه من كشف لوقائع واسرار وألغاز يتعين عليه فضحها مهما رتبت من تداعيات .
لكن هذا الجانب من الازمة سرعان ما يكتسب طابعاً ساخراً أمام الحقيقة الواقعية التي يكابر حيالها الجميع وهي أن لا انتصارات ولا انكسارات يتمكن منها لبنانيون أو يمنى بها لبنانيون آخرون على أيدي الخارج في الدرجة الاولى، ما خلا استثناءات نادرة في التاريخ السياسي اللبناني . لذا يغدو من السخرية المطلقة الغرق في وهم انتصار ظرفي أو انكسار ظرفي آخر، في حين يغرق لبنان أكثر فأكثر في أسوأ ما أصابه وهي المحنة المذهبية المتفجرة.
إذا صح حصر الاستحقاق راهناً بالتحديات التي ستواجه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، فهي لن تكون لا في حكومته ولا في لونها ولا حتى في مواجهتها للمجتمع الدولي، فكل هذا لن يكون من السوابق بل ان السوابق تثبت ان المجتمع الدولي أسلس في الحقبة الممتدة ما بين عامي 1990 و2005 للحكومات المتعاقبة التي كانت بمثابة مسار تطبيعي مستمر للسيطرة السورية المطلقة على لبنان. والحقائق القاسية العارية توجب على اللبنانيين مواجهتها بعقول باردة وليس بانفعالات متفجرة عمياء حين تلوح في الأفق معالم كتلك المرشحة الآن مع تبدل الأفلاك الدولية أمام مجموعة عوامل ليس أقلها "الدومينو" المتدحرج في الشرق الاوسط مع الانقلابات والثورات الداخلية التي تهدد معظم أنظمته وتقف الدول العظمى حياله إما في موقع العجز أو التواطؤ أو التخلي. وليس لبنان وسط هذا "الدومينو" سوى بقعة اضافية ينظر إليه العالم كمصيبة بالزائد أو بالناقص تبعاً للون "الاحمر" أو "الاصفر" وما بينهما في مصاف الدول التي تشارف الانهيارات.
في ضوء ذلك تتحول شماتة "المنتصرين" المفترضين أقرب الى مزحة هزلية، كما تقترب مكابرة "المنهزمين" المفترضين من عملية لحس مبرد مريرة. والحصيلة الوحيدة التي ترتفع بكل أخطارها القاتلة هي تلك القابعة في الشارع والمستوطنة النفوس والمشاعر والانفعالات المتصاعدة. وهي حصيلة مواكبة لمعادلة لا تبارح الواقع اللبناني أصلاً فكيف بأحواله المستجدة التي تبدو أشبه بزلزال دوار تتناوب فيها فئاته وطوائفه ومذاهبه على تجرّع كأس المرارات الواحدة تلو الاخرى؟
لكأن ثمة من تجاهل أن صراع الاستحالات هذا المرتبط ارتباطاً عضوياً أساسياً بأزمة المحكمة الدولية انفجر أساساً على هذه الخلفية، وما كان لـ"حكومة وحدة وطنية" أن تنفجر لولاه. ودار الدولاب الجرار بالأمس على فئة، فيما ينذر غداً بالدوران على فئة أخرى. فهل كان ذلك فقط بفعل استحالة تعايش 14 آذار و8 آذار ضمن معادلة "الحكومة أو المحكمة"؟ وما دام الأمر قد حسم على النحو المعلوم، لماذا تراها تفرغ شوارع المدن عند أول هبة أو شائعة على نحو لم تعرفه حتى في عز الحرب الاسرائيلية على لبنان؟ ألا يضمر هذا الخوف العظيم غير المسبوق "الحاسة السادسة" الخبيرة والأصدق من كل اللغو الكاذب العائم على أسطورة الانتصار والانكسار؟