بعدما تناهى إلى المسامع يوم أمس، حديث وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمره الصحافي مع نظيره البريطاني وليام هيغ عن "الديموقراطية" في لبنان، تبسّم كثير من اللبنانيين، حيث اكتشفوا ولأول مرة التعديل الطارئ على اللغة السياسية السورية المعتادة، إذ غاب "الكليشيه" الذي يحفظونه عن ظهر قلب بعدما دأبت سورية على إسماعهم إياه منذ واحد وثلاثين عاماً: "سورية مع ما يتوافق عليه اللبنانيون"، وبالطبع كان الرهان دائماً على أسلوب: "ما رح نخليهن بعمرن يتفقوا"، فظلّت سياسة فرق تسد الأرض الخصبة للتدخل الدائم في الشأن اللبناني، وفي اللحظة التي اجتمع فيها اللبنانيون بمسلميهم ومسيحييهم في 14 شباط 2005 تحت وطأة هول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فشاهدوا بأم العين النتائج السريعة وغير المتوقعة لهذا الاتفاق.
لم يعد "التوافق" مهماً في هذه اللحظة بالنسبة الى سورية، لأنه سيحول دون استعادة الحال المقيم القديم الذي يُدرك اللبنانيون جيداً أنه "داء" لا "دواء" له ولا "شفاء" منه، وأنهم على رغم كل المحاولات التي بُذلَت والتنازلات التي قُدمت لم تغير حرفاً في النظرة التاريخية إلى لبنان، ومع هذا، لبنان لن يعود أرضاً سائبة ولا "ملحقاً" بتبعية "الإكراه" تحت عنوان التاريخ والجغرافيا!!
والمحزن في هذا الإصرار الدائم على التدخل في الشأن اللبناني، أن اللبنانيين يظنون أن أفضل العلاقات وأوطدها قابلة للحياة والقيام بين الدولتين اللبنانية والسورية وبين البلدين والشعبين في اللحظة التي تتغير فيها هذه النظرة التي تزدري الدولة اللبنانية وسيادتها والشعب اللبناني وإرادته، إنما: "لقد أسمعتَ لو ناديْتَ حياً، ولكن لا حياة لمن تُنادي".
إن دخول وزير الخارجية السوري وليد المعلم بالأمس، يؤكد كلام "مرشد الجمهورية اللبنانية" أمين عام حزب الله الذي قال للبنانيين بالفم الملآن يوم ثلاثاء الغضب الماضي: "العالم ما فاضيلكن"!! قد يظنون أنهم أحسنوا اختلاس التوقيت في مغافلة دول العالم الغارقة في مشاكل وقضايا يعتبرونها أكبر وأهم من الشعب اللبناني، وسيكتشفون في مقبل الأيام أنهم أخطأوا في توقيت انقلابهم وأنه سيفشل، تماماً مثلما فشلوا في توظيف ما أسمي في العام 2006 "الانتصار الإلهي" في سياسة المحاور، وليس الوقت ببعيد ليكتشفوا أن انقلابهم أعاد إلى دائرة الضوء كل القرارات الدولية التي صدرت لحماية لبنان من اغتيال قياداته، ومن التدخل في شؤونه، ومن المحاولات المستميتة للعودة إليه، ولكن، هيهات!!
ليس صحيحاً على الإطلاق ما قاله بالأمس وزير الخارجية السوري: "إن ما جرى في لبنان كان عملية تتفق مع الأصول الدستورية اللبنانية ونحترم خيار ممثلي الشعب اللبناني"، فما حدث انقلاب على خيارات الشعب اللبناني، وانقلاب بكل المقاييس على الأصول الدستورية، وغير دقيق على الإطلاق ما قاله المعلم: "نحن نحترم سيادة واستقلال لبنان ونريد بناء علاقات ثنائية قائمة على الاحترام المتبادل وندعو كل دول العالم الى أن تلتزم بما تلتزمه سورية وألاّ يعطوا أحكاماً مسبقة وشروطاً مسبقة لعمل الحكومة اللبنانية العتيدة"…
حكومة "حصان طروادة" السُني – هذه المرة – لن تفلح في إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، وستفشل كما فشل "حصان طروادة" الشيعي، والمسيحي، والدرزي أخيراً الذي غطى وسهل الانقلاب، ولا في توسعة الشقوق التي تجري محاولات العودة والسيطرة عبرها، وما على اللبنانيين سوى مواجهة سلاح حزب الله ووضعه على طاولة إيجاد حل له، لأنه "الوسيلة" الحقيقية التي تُستخدم ضدّهم من داخلهم والتي تمنح كل هذه الغايات الدفينة مبررات تحت عناوين بالية ومضجرة وساقطة!!
أما معادلة الأمن أو العدالة التي ما زالوا ضمناً يخيروننا بينهما فلم يعد الجدل حولها يُجدي نفعاً، فالترهيب ليس أمناً واستقراراً، والاستقواء بالسلاح على اللبنانيين وفرض المعادلات السياسية والأمنية التي تناسب حزب الله "أداة" الممانعة في الاستيلاء على القرار اللبناني، و"إرهاب" اللبنانيين لا يصنع أمناً ولا ينتج استقراراً، لذا – ولحسن الحظ – سيدرك الوزير المحتار الذي حاول إقناعنا بالأمس بقوله: "ما يهمنا هو مصلحة الشعب اللبناني في تحقيق أمنه واستقراره".. المحكمة آتية وهي التي ستنتج أمناً فيحسب بعدها مَن يستبيحون أرواح القيادات ودمائهم حساب "الجريمة والعقاب" فهما تماماً كما "الليل والنهار"، وأن العدالة هي التي تُنتج "استقراراً" فعندما يُفضح القاتل الشبح المتدثر بعباءات ملتبسة والمختفي خلف حجب كثيرة وينكشف وجه الإجرام فيه لن يجرؤ بعدها على القتل، أما حيرة الوزير وليد المعلم فستظل قائمة لبنانياً وعربياً ودولياً، لأن لا أحد يستطيع أن يحبس الشعوب وإرادتها، مهما طال الزمن، ومهما تعنت وتعسف الظلم، الشعوب كتدفق الماء الصاخب الجاري تنهار أمامها السدود!! إجلسوا وشاهدوا محطات التلفزة، و"اعتبروا" لأن "الدور" سيمر على ذقون ورقاب الجميع، فالحرية "فيروس" صحي سريع الانتشار.
أما "حرية وسيادة واستقلال" لبنان، التي اشتكى وزير الخارجية السوري بالأمس من سماع محاضراتها بقوله: "ما يحيرنا انه عندما نقول لا نريد ان نتدخل نسمع محاضرات عن سيادة واستقلال لبنان، نحن نريد من الاخرين ان يمارسوا هذا الاحترام على ارض الواقع فعلا" فستظل حيرة الوزير قائمة "إلى أن يقتنع بما قاله نظيره البريطاني وليام هيغ وهو نفسه ما يقوله الشعب اللبناني كل يوم منذ اثنين الانقلاب الماضي لا نسمح إلاّ بـ"التزام القانون الدولي ودعم المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق" رفيق الحريري، وكل شهداء لبنان.