"الفاجر يأكل مال التاجر" ليس مجرد مثل عابر، بعدما أثبتت الحياة السياسية في لبنان ان فجارها يأكلون أخضر الوطن ويابسه على مدار الساعة من غير ان يسمحوا لأحد بالدلالة على ما أكلوه زلعاً وبلعاً وبقوة السلاح والفجور والعهر في وقت واحد وفي أكثر من مناسبة!
لقد قيل الكثير عن ظروف تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة، لاسيما بالنسبة الى سوء توقيت التكليف ورداءة أداء من اختاره من النواب لتولي المهمة. وقد جاء بعض الذي قيل أمس على هامش الاستشارات النيابية وكأن المقصود منه تحديد خريطة طريق من جانب قوى 8 آذار يستحيل اعتبارها بعيدة نسبياً من الشروط التي تحدث عنها حزب الله مراراً وتكراراً في الأشهر الستة المنصرمة أزاء رفضه المحكمة الدولية وتقديمه ملف الشهود الزور على ملف الاغتيالات السياسية التي ضربت لبنان في أعز ما يملك من قدرات وطاقات رسمية وحزبية وفكرية وإعلامية!
أما الذي أشار عن سابق إصرار وتصميم الى "الحكومة غير الميثاقية" لم يتطرق أيضاً عن سابق إصرار وتصميم الى مقررات مؤتمر الحوار التي سبق له ان وافق عليها ولم يقل كلمة على السلاح غير الشرعي، ربما لأنه ممنوع من مقاربة هكذا موضوع بقدر ما ان المسموح له بالكلام عليه "رفض العمل ببند الشهود الزور".
أما الكلام غير الواقعي عما تضمنته المبادرة السعودية – السورية فقد قاربها المستشار السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل من وجهة نظر مختلفة تماماً عما صدر من توضيحات على لسان وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل الذي نفى ما تردد في بعض الأوساط اللبنانية عن ان الرئيس سعد الحريري هو من تراجع، فيما تؤكد الوقائع العكس. أي ان المتراجعين هم جماعة المعارضة الذين اضطرتهم الظروف الى الانقلاب على الأكثرية بدعم سوري – إيراني لا غبار عليه وليس من بوسعه قول عكسه!
لقد ذكرنا النائب علي حسن خليل بما حصل في بيروت وطرابلس وبعض المناطق في اليومين الماضيين، وتحدث عرضاً عن استخدام منتقدي تكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة "قنابل مولوتوف" وإطلاقهم النار في مناطق محددة. لكنه تجاهل بصورة مطلقة ما حفل به شهر أيار من العام 2008 حيث استخدم حزب الله وحركة أمل وحلفاء الاثنين صواريخ وأسلحة ثقيلة ومتوسطة خلال اجتياحهم بيروت ومواجهتهم حرس القصر الحكومي ومنزل الرئيس سعد الحريري وتطويقهم منزل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، بما في ذلك مؤسسات إعلامية تابعة لتيار المستقبل وفرضهم الاقامة الجبرية على عدد لا يستهان به من نواب الأكثرية!
من حيث المبدأ، لم يكن أحد ينتظر من النائب علي حسن خليل ان يعود بالذاكرة الى الآونة التي تميزت أيضاً وأيضاً بمنع النواب من دخول القاعة العامة في مجلس النواب بذريعة عدم اكتمال نصابهم في أروقته. كذلك، ليس من ينسى كيف اضطرت الأكثرية الى القبول بشروط المعارضة للسماح بانتخاب رئيس للجمهورية ومن بعد ذلك تشكيل حكومة مفخخة بالثلث المعطل (…).
والجديد – القديم بالنسبة الى تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة العتيدة، هناك من يجزم بأن الرجل لن يحسد على توليه مهمة مناطحة من يعرف مسبقاً ان خيارهم لم يقع عليه، إلا بعدما عجزوا عن تولية الرئيس عمر كرامي الذي انتقد طريقة نعيه من جانب الأمين العام لحزب الله، وهو فعل حسناً كي لا يقال عنه أنه رفض الوقوع في حبائل الشروط، فضلاً عن ان "الأفندي" يدرك عمق اللعبة بعدما انقلب أصدقاء اليوم عليه سابقاً عندما حان قطافه بقرار إقليمي!
وما لا يحسد عليه أيضاً الرئس المكلف، فهو ان أسنان خصومه في "الأكثرية المستجدة" لن تترك فيه ستراً مغطى عندما يحين أوان إزاحته بقرار إقليمي مختلف، لاسيما أنه يعرف أكثر من كل ما عداه ان المحكمة الدولية لن تتوقف عند مزاجية حزب الله. وهذا الأمر سيتضح خلال أيام قليلة بعد ان تصل الى ميقاتي شروط التوزير بالأسماء والأرقام والتواريخ!
لقد قيل في أوساط تكتل التغيير والإصلاح "إننا عندما سمينا الرئيس نجيب ميقاتي في مواجهة الرئيس سعد الحريري فلأننا نعرف قدرته على التحرك"، فيما هناك من يجزم بأن "حرية التحرك هي غير حرية اتخاذ القرار". وهذا ما ستثبته الأيام حيث ان حقول الألغام لن تقتصر على توزير صهر من هنا او قريب من هناك، ولا على إجبار رئيس الحكومة على إعلان مناهضة واضحة لكل ما له علاقة بالإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي (…) إضافة الى ان أية مقاربة لسلاح المقاومة والسلاح غير الشرعي ستطيح باحلام كل من كانت له يد في أبعاد سعد الحريري عن السراي الحكومي. وهذا مرتبط أيضاً وأيضاً بإملاءات مرشحة للتفاقم من جانب قوى خارجية معروفة الأهداف والمطالب من لبنان الدولة؟!