#adsense

انتفاضة الأرز الثانية لإسقاط ديكتاتورية الحزب الواحد!

حجم الخط

… وحدث ما كنّا نتوقعه. وما كنّا نعايشه. ونحايثُه. ونراه فصولاً وتفاصيل: انقلاب المفطورين على الانقلابات. انقلاب خريجّي أجهزة الانقلابات العربية والأعجمية ومنظماتها وأحزابها وأنظمتها. فهؤلاء مصنوعون أصلاً من جبلّة الانقلابات. وعدتهم وعتادهم وعديدهم على أتّم جهوزية. وحدث ما كنّا نتوقعه لأننا ما كنّا نتوقع من هؤلاء سوى ذلك. وقد بدأت محاولاتهم هذه منذ اللحظة الأولى لانتصار قوى 14 آذار عليهم في الدورة الانتخابية الأولى، حين استَجلبوا مَن استجلبوا من ضعاف النفوس والانتهازيين كميشال عون (عميل إسرائيل السابق في نظرهم) إلى صفوفهم؛ وعطلوا حكومة السنيورة الأولى: تعطيل الحكومة الدستورية عندما انسحبوا منها. وكانت حرب تموز التي أخذوا قرارها بأنفسهم والتي جرّتْ ما جَرَّتْ من الخراب، محاولتهم الأخرى: كانت حرباً ضد الداخل بقدر ما كانت حرباً مع العدو. وكانت محاولتهم في نهر البارد عندما انطلق العبسي في حربه الانقلابية على الجيش، ورفع بتوع حزب الله أصابعهم ملوحين بأن مخيم نهر البارد "خط أحمر". عبابسة حزب الله و8 آذار ومن وراءهم إقليمياً وأبعد فشلوا. وكانت غزوة بيروت التي كرس فيها حزب ولاية الفقهاء و8 آذار منحاهم وارتكبوا ما ارتكبوا من أعمال شنيعة فأحرقوا بعض الصحف والتلفزيونات وانتهكوا الجبل ومناطق أخرى. من دون ان ننسى محاصرتهم السرايا، وتهديدهم 14 آذار. بالقتل: وما بين هذه التقارير العدوانية تمّ اغتيال رموز من 14 آذار بعدما اغتال القتلة الموصوفون الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

رائع! فعلى امتداد هزائمهم الشعبية عززوا "نهجهم" الانقلابي تيمناً بانقلاب ولاية الفقيه في إيران على أكثرية شعبها عبر تزوير انتخابات أسفرت زوراً عن انتخاب ابن الولي الفقيه "الحكيم" و"الشجاع" و"العادل" وأقصد الرئيس نجادي المشكوك بشرعيته. والمرشد اللبناني من صلب المرشد الإيراني. رائع! مع هذا خسروا. ونظن أن اعتمادهم على الانتخابات النيابية الأخيرة كان أيضاً محطاً انقلابياً فخسروا بحمده تعالى! ضاقت بهم الدنيا. فلا السلاح نجح. ولا أصابعهم المنهورة المشهورة أصابت في تهويلها. ولا الانقلابات قَلَبَتْ. ولا كل الأساليب الاحتيال والاستيعاب أفلحت. المهزومون شعبياً عادوا عودة "حليمة" فابتاعوا وزيراً لم يكن له أصلاً لا لون ولا طعم ولا دور… و"حملوه" على الاستقالة لإسقاط حكومة الحريري. وسقطت الحكومة "دستورياً" كما ادعى "خوارج" الدولة، والكيان والنظام والعروبة ان الإسقاط لم يكن سوى خطوة دستورية قالها السيد حسن نصرالله ورددها بغبغاؤهم ميشال عون وسائر الببغاءات "الإعلامية" والسياسية من فلول النظام الأمني المشترك. وكان على حزب الله الذي حقق أخيراً فوزه الإلهي في إسقاط الحكومة (وكان عنصر تعطيل مع بعض أعوانه وعيّناته وعيونه!) لتأتي مرحلة أخرى: إذا كان حزب الله أسقط الحكومة ووراءه ما وراءَه من حلفاء "إقليميين" فعليه كما وعد السيد حسن نصرالله ان يؤلفها. أقصد أن يعين رئيسها ووزراءَها. وأن يرسم سياستها المرسومة: أي "إبطال" المحكمة وتضليل التحقيق وإنقاذ قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز (يقول حزب الله: إن إسرائيل قتلت هؤلاء كلهم. وما على الضحايا إلاّ أن يعترفوا… ويصدقوه وإلاّ: فالأصابع جاهزة!). فليكن عنوان الانقلاب "الدستوري" "المحكمة" و"الانتقام من ابن الضحية سعد الحريري ومن أبناء الضحايا والشهداء بدءاً بجبران تويني وجورج حاوي وبيار أمين الجميل وانطوان غانم ووليد عيدو وسمير قصير ووسام عيد وكلهم اغتالتهم إسرائيل بعدما اتهمهم حزب الله بالعمالة لها. انه الانتقام "الإلهي" الذي يأخذ في دربه الدولة، والمؤسسات والمجتمع والناس والشعب ليبتلع البلد. وكان على الحزب أن يمارس ديموقراطيته المشهود لها والتي جسدت هذه المرة بانتشار ميداني لبعض غلمانه ذوي "القمصان السود" (لباس الفاشيين والنازيين في عز جبروتهم: فيا للمصادفة الرائعة والتطابق المثالي) في الشويفات والقماطية لترهيب الدروز وجنبلاط الذي كان أيد ترشيح الحريري، وفي بعض شوارع بيروت لتذكير البيروتيين بانجازات 7 أيار الشارونية. مع هذا فشل في الاستيلاء "المسلح" على الأكثرية. فعمد ترهيبه إلى اجتذاب بعض "ممروضي" الطموح وتحديداً لبعض نواب طرابلس. وهكذا كان: جنبلاط أُصيب بالذعر فرفع يديه استسلاماً وبعض النواب انقلبوا على قواعدهم التي أوصلتهم إلى النيابة. رائع! يا حزب الله. ومن قال لك انك لست "الحكيم" و"الشجاع" و"العادل" ونضيف والصادق، والوفي… أسوة بمرشدك الذي يقمع أكثرية الشعب الإيراني! وكان الرئيس كرامي وما مشي الحال. وكان ميقاتي ومعه الصفدي وأحمد كرامي.

وبأصوات جنبلاط الحزبية وهؤلاء "المنقلبين" وصوت آخر: حصل حزب الله على الأكثرية ونال مرشحه الميقاتي (بلا ميقات!) أكثرية 68 صوتاًّ! وهكذا لامس حزب الله بالسطو "المسلح" والخديعة المؤمنة على مفاصل الحكومة العتيدة، وبات يهيمن على رئاسة مجلس النواب وربما على قرارات الجمهورية.. فحزب الله اليوم وبعناية ولاية الفقيه الفائقة وأموال ولاية الفقيه المدرارة، وسلاح ولاية الفقيه (نسي حزب الله لن يضيف كلمة "كريم" وجُواد إلى صفات الولي الفقيه الفاتح خزائن الشعب الإيراني على مصراعيها لحزب الله ولحلفائه في الوقت الذي يعاني هذا الشعب الفقر والعوز والبطالة).

إذاً سَطَت ميليشيات "الحزب" على الرئاسات الثلاث، وصرنا كأننا نعيش نظام "الحزب الواحد" أسوة بحلفائه.. فهو صنيعة "الحزب الواحد" من هنا وهناك وصنيعة القمع الواحد، هنا وهناك. لكن لبنان ليس لا هذا البلد الإقليمي ولا ذاك. لبنان هو لبنان. وجمهور 14 آذار هو المعبر عن الأكثرية. وهو الرافض لهذا المنحى الانقلابي الفاشي الذي تطاول على الأكثرية وعلى قوة الرئيس سعد الحريري وموقعه وتمثيله وكانت بداية الانتفاضة الثانية في طرابلس والبقاع وبيروت والجنوب. كانت عاصمة ثورة الأرز هذه المرة هي العاصمة الثانية طرابلس. وكأن هذا الانقلاب "الحزبي" المسلح أعاد استنفار جمهور ثورة الأرز واستثار نهوضه وحيويته. انها اليوم ثورة ميدانية تجاوزت حتماً كل ما تمّ التنازل عنه أو المفاوضة حوله: من سلاح حزب الله وسلاح "الخوارج" والعملاء والمرتزقة الخارجين على القانون والدولة والمحكمة. وإذا كانت شابت التحركات بعض أعمال العنف نرفضها، فيجب التذكير بأن "المقهور" يستفيد أحياناً من وسائل القاهر: فإشعال الإطارات وإحراق سيارة وإغلاق الطرق استلهمها الانتفاضيون المؤيدون للدستور ولتيار المستقبل والرئيس الحريري من جماعة 8 آذار والفارق انه سقط في 7 أيار 90 قتيلاً بأيدي الغزاة وفي التحركات الأخيرة.. لم يسقط أحد ولم يجرح أحد باستثناء أثنين أصيبا بجروح طفيفة: الفارق هو الدم. الفارق أن حزب الله و8 آذار (خريجي "جامعات" العنف) هم أهل الدم، بينما الاحتجاجيون من 14 آذار.. من أهل السلم. مدرستان لا تلتقيان (إلا بإذنه تعالى!).

ونظن أن 14 آذار التي لُدغت من جحور حزب الله وحلفائه مرات وكادت تصدق ما "يعدون" به، ثم يلحسونه بكل متعة ولذة، وإيمان وورع، وصلت إلى اقتناعات جديدة: أولها انه لولا سلاح حزب الله المرفوع على اللبنانيين العُزّل لما تمكنوا من الإقدام على هذه المنقلبات، ولا على امتهان التهويل والتهديد والترهيب والترويع والقتل والاستكبار والغطرسة وان حزب الله لولا ترسانته التي "نسيت" إسرائيل ومزارع شبعا وتذكرت لبنان بديلاً من العدو، لما تمكن من غزوته ولا من انتشاره، ولا من تعطيله ولا من إسقاط الحكومة، ولا من تعيين الرجل الأشم النبيل الوفي الوطني الميقاتي (بلا مواقيت). فسلاح حزب الله كالسلاح الفلسطيني في بعض المراحل، وكسلاح الميليشيات صار الوسيلة للاستيلاء على البلد، وفرض الإرادة، وجمع مقدرات السلطة، وامتهان الانقلابات. إذاً لا فارق بين سلاح حزب الله في الشوارع وسلاح "المقاومة". فحاملوه هم أنفسهم يتنقلون به من الجبل إلى صنين إلى البقاع إلى بيروت إلى الضاحية: انه سلاح قهر إرادة اللبنانيين، وتغيير النظام وضرب الكيان واستتباع الدولة والأمن والجيش والقرارات المصيرية.

فسلاحهم بند أول في أجندة الانتفاضة الثانية، وهذا لا بد من أن يستدعي رفض ما يسمى الاستراتيجيات الدفاعية المشتركة التي تمسك بتلابيبها قبضة واحدة مرتهنة بالخارج. بحيث تكون مصائرنا وقرارات الحرب والسلم في أيدي ولاية الفقيه الإيرانية. حيواتنا وأرضنا وكياننا واقتصادنا وحرياتنا وديموقراطيتنا وكرامتنا يمسك به والولي الفقيه الإيراني عبر ربيبه وحبيبه وقدوته حزبه في لبنان. وأن معادلة "الشعب الجيش المقاومة" هي خديعة لفظية أخرى، وذر رماد في العيون، لتكون قناعاً لمصادرة حزب الله (البعيد عن أي مقاومة مع العدو!) الجيش وإرادة الناس. فأي معادلة هذه تضع عنوان عنصر من عناصرها "الشعب" تؤدي إلى شهر السلاح على هذا الشعب، ومحاولة استيعاب الجيش! هذه الثلاثية هي أحادية، مصدرها ومصبها ومستخدمها حزب الله! هذه المعادلة التافهة المضلّلة لا بدّ انها باتت وراء أكثرية اللبنانيين. وكما باتت شعارات "سلاح المقاومة" أيضاً في الوراء فان شرعية هذا السلاح (الذي صار فئوياً تأسيساً وممارسة وهدفاً ووسيلة بل أكثر صار سلاحاً خارجياً ليستخدم ضد الشعب اللبناني) صارت من الماضي. (ونظن أن على حزب الله ان ينقل تجربته الفريدة إلى حيث ما زالت إسرائيل تحتل مناطق وجبالاً وسهوباً فهناك الأرض الخصبة للمقاومة وليس لبنان الذي باتت مقاومته مقاومة على أرضٍ محررة. شيء غريب مثلاً ان تبقى حركة التحرير الجزائرية مقاومة بعد انسحاب الاستعمار الفرنسي!).

البند الثاني المفترض في أجندة انتفاضة الأرز الثانية، هي المحكمة. فهناك مجرمون ووحوش اغتالوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء الأرز، هؤلاء الوحوش يجب أن يكشفوا ويحاكموا ويعاقبوا على إجرامهم. وهذا أقل الإيمان. فالمحكمة الدولية سلمت تقريرها الظني والأسماء والتواريخ والإثباتات مدونة. وتشكيل حكومة برئاسة "المواقيتي" بلا ميقات الرئيس ميقاتي، هدفها تعطيل الاتهامات واغتيال الأحكام، وتضليل التحقيق، واتهام الضحايا بقتل أنفسهم، أو اتهام "ذويهم" ورفاقهم بقتلهم لمجرد إحراج حزب الله خدمة لإسرائيل!! (والله تحليل عبقري! تحليل جهادي من وحي أفلام الخيال العلمي وسيرة بني هلال، وطرزان وزورو ورامبو). وهذا يعني ان القتلة سيستمرون في القتل إذا ما ألغيت المحكمة ومسلسل الاغتيالات سيضاف إليه حلقات أخرى من بطولة مجهول. وان الشعب اللبناني، عندها، وفي غياب أي مرجع أو حماية له لن يكون سوى فريسة على مرمى القتلة، فتتضخم مفاعيل الإرهاب والترويع والإلغاء: يصبح كل لبناني معارض للوصايات الداخلية والخارجية مشروع شهيد. ويصبح لبنان برمته مشروع ضحية، هكذا يريدون أن تكون الأمور أي نعود إلى ما كانت عليه الأحوال أيام النظام الأمني المشترك، هل تتذكرون القاضي عضوم.. أتريدون أن تكون المحكمة الدولية على الطراز العضومي! ألم يكن حزب الله متواطئاً مع عضوم وقضائه وقُضاته ومخابراته ومع ما ارتُكب من نهب وسرقة وقمع واستبداد في عهد الوصايات! أو ليس حزب الله من صنيعة النظام الأمني المشترك ذي الامتدادات الإقليمية والإيرانية! وحتى المقاومة: كلنا يعرف كيف أُنشئت وأين وبقرار مَنْ كبديل من المقاومة الوطنية والفلسطينية. وكلنا يعرف كيف "أوكل" حزب الله هذه المقاومة بقرار خارجي ما زال سارياً، بحيث ينتقل قرار الحرب والسلم من الأيدي الفلسطينية العربية إلى الأيدي الإيرانية. وهذا أيضاً كان انقلاباً دموياً على الثورة الفلسطينية (إسقاط مخيم تل الزعتر، حرب المخيمات وصولاً إلى الشمال هل تتذكر أيها القارئ من كان وراء كل ذلك ومن خَطّطَ ونفذ هذه الحروب الانقلابية! بأيدٍ "نظيفة" من الدم والاغتيال والهيمنة). من دون أن ننسى تمهيدات وتعقيبات هذه المعارك من تصفية بعض المثقفين المناضلين والمقاومين كمهدي عامل، وخليل نعوس، وميشال واكد وحسين مروة..! كل هذا نعرفه جيداً ونعرف أن المسلسل استمر باغتيال رينيه معوض (هل قتلته إسرائيل!) وصبحي الصالح وناظم القادري والمفتي حسن خالد.. ليستكمل المسلسل باغتيال رفيق الحريري وشهداء انتفاضة الأرز: انها حلقات متصلة من الوحشية والجنون، شكلت انقلاباً في المعادلة الوطنية والسياسية! وهذه الحلقات ستستمر إذا ما ألغيت المحكمة. هذا ما نقوله بكل بساطة، نحن الذين عاصرنا كل الحروب وفي كل المناطق وعايشناها نحو أربعة عقود!

على هذا الأساس يستعاد مشهد ثورة الأرز الأول، اليوم، في الانتفاضة الثانية، في نضالات شعبية سلمية، تعبّر عن رفض المناحي الدكتاتورية والانقلابية العسكرية، ورفض سلاح محسوب على المقاومة يستعمل ضد الشعب، وفي تغيير الواقع السياسي، وتحطيم إرادة الناس وسرقة نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة.
مشهد الانتفاضة اليوم، والذي انطلق قبل عدة أيام في طرابلس والضنية والبقاع والمنية وصيدا وبيروت، لا بدّ أن يتبلور تنظيمياً ومطلبياً، بحيث يكون تجسيداً لمكونات 14 آذار، التعددية بعيداً عن أي تبئير مذهبي أو فئوي أو مناطقي، ويحتشد حول طريقة حماية لبنان من سلاح حزب الله، وحماية المحكمة، والديموقراطية والسيادة والاستقلال والسلم الأهلي!

بهذه المعاني الوطنية الكبيرة تغتذي الانتفاضة الثانية وتقتدي، وتواجه استبدادية الوصايات المتجددة، ودكتاتورية الحزب الواحد وفئوية الهيمنة على النظام اللبناني.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل