ليس أسوأ من الضخّ التوتيري، إلا بعض آلياته المعتمدة حصراً والمسجّلة حكراً على الماكينة الإعلامية والسياسية لقوى الممانعة، وفي مقدمها إطلاق الكذبة والتنظير لها وتطريزها وتزيينها.. ثم تصديقها لاحقاً وحقاً!
ويُفترض بداية الاعتراف بوضوح، ان متابعة تلك الماكينة أمر متعب من دون شك، بل وتصيب المتلقي والمتابع بعوارض جانبية عدّة أبرزها اهتزاز يقينه ببديهيات الأخلاق والأدب كشرط مزدوج لا بد منه من أجل إيصال الحقائق للناس، ثم بعد ذلك بقليل من أجل تفعيل المواقف السياسية وغير السياسية واستثمارها في الشأن العام.
..واحدة من أكبر أكاذيب المناخ الممانع بكل طبقاته وتلاوينه وأدواته، هي القول إن الرئيس سعد الحريري صادر أو اختصر طائفته أو فريقه وألغى الآخرين!
تفعل اللعبة التزويرية لعبتها لكنها لا تلغي الحقائق، وفي أوّلها ان الرئيس الحريري في الشأنين الوطني والطائفي تصرف بعكس منطق الإلغاء تماماً.. ولم يكن التحالف الرباعي في انتخابات العام 2005 وما نتج عنها من إعادة انتخاب للرئيس نبيه بري إلا تأكيداً لذلك، وترسيخاً لنهجه الرافض استغلال مكسب سياسي أمني ظرفي وتوظيفه في سياق يكسر مسلّمات وطقوساً وتقاليد وأعرافاً و"عادات" آتيات من صلب النظام اللبناني (المكتوب وغير المكتوب) ومن صلب مقومات كيان الجمهورية القائمة: لا إلغاء ولا إقصاء ولا فرض ولا كسر، ولا هز عنيفاً للتوازن الدقيق للميزان اللبناني!
على المستوى الأضيق أيضاً، لم تختلف الصورة ولم يتغّير الأداء.. لم يركب الرئيس الحريري الموجة كلها، ولم "يبطر"، بل يشهد الجميع، وأوّلهم من جيء به اليوم ليلعب دور "طربوش" الانقلاب، أنه في انتخابات العام 2005 وانتخابات العام 2009 عمل وسعى ونجح في تشكيل مروحة واسعة من الشخصيات التي تمتلك حيثية سياسية تاريخية معينة، لا يجوز أن تغيب أو تغيّب، بل يجب احترامها واحترام البيوت التي أتت منها! ولا يوجد ابن امرأة يمكن له أن ينفي هذه الحقيقة أو يلوّنها بسقط كلام آتٍ من نفوس مريضة وفيها غرض!
دفع الرئيس الحريري من رصيد علاقاته ببعض حلفائه وببعض جمهوره من أجل تأكيد منحاه ذاك، الضّاب والجامع، والكاسر لمنطق الاستحواذ، والحافظ لكل مقام دوراً، مع انه كان بمقدوره أن يلغي كل الأدوار.
منذ البداية عرف دقّة الميزان اللبناني، الذي يحاولون اليوم كسره من دون حياء.. ثم يأتون أمامه، الاستئصاليون الإقصائيون الأحاديون والإنقلابيون، ليذمّوه بأفضل وأنبل مكارمه!