"ودهر ناسه ناس صغار ولو كانت لهم جثث ضخام
وشبه الشيء منجذب إليه وأشبهنا بدنيانا الطغام"
المتنبي
ولاية الفقيه
مسألة وكالة المهدي قضية أخذت الكثير من الجدل الفقهي في الأوساط الشيعية ولا تزال. فهذه القضية بدأت بعيد "الغيبة الصغرى" للإمام المهدي عندما كان التواصل معه من خلال أربعة من الوكلاء، ولكن الأزمة وقعت عند وفاة آخرهم ودخول المهدي في "الغيبة الكبرى"، فرأى معظم الفقهاء وجوب الدخول في عصر "التقية" لغياب التوجهات المهدوية. كان هذا الى أن أتى "الشهيد الأول" محمد بن مكي الجزيني ووضع طرحاً منطقياً يقول بعدم جواز الفراغ، وبما أنه كان للمهدي وكلاء في الغيبة الصغرى فمن المنطقي وجودهم في الغيبة الكبرى، فظهر تعبير "الولي الفقيه" الذي يعني بأن وكالة المهدي الفقهية والشرعية يجب أن تكون في يد المرجعية الفقهية الأعلم والأحكم.
استشهد الجزيني على خلفية سعيه الى ايجاد هذه الوكالة فقد أعدمه المماليك عندما بدأ يحاول ممارسة سلطته النظرية وذلك سنة 1370.
عندما أعلنت الامبراطورية الصفوية سنة 1507، سعى "اسماعيل شاه" ومن بعده ابنه "طهماسب شاه"، الى وضع تشريع للامبراطورية وتحويلها الى المذهب الشيعي بخلفية قومية فارسية. استقدم لهذا السبب المرجع الكبير اللبناني الملقب بـ"المحقق الكركي" والذي أعاد احياء مسألة وكالة المهدي من خلال اعلان "طهماسب شاه" وكيلاً للمهدي في غيبته الكبرى. وقد ترافقت هذه القرارات مع حملات تطويع للناس تمثلت في مسيرات للمطوعين الذين كانوا، يفرضون على المارة ان يشتموا الصحابة للتأكيد على التزامهم بالمذهب الجديد لسكان هذه الامبراطورية وذلك تحت التهديد بالقتل والتنكيل، وقد وثق "علي شريعتي" هذه الممارسات في الكثير من كتاباته.
أما واقع الامر اليوم في ايران فهو عودة ساحقة لمنطق وكالة المهدي من خلال الجمهورية الاسلامية التي يقودها "ولي فقيه حكيم وعادل وشجاع وجامع لكل الشرائط". وقد توج الامام الخميني قبل وفاته مبدأ العصمة المطلقة بمنح نفسه سلطات لم تمنح حتى للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام). وتؤكد الأدبيات الملحقة بمبدأ ولاية الفقيه أن من واجب أتباعه مد سلطته المطلقة على أكبر بقعة من الأراضي ومن الناس وذلك لتحضير الأرضية لقبول الحكم الاسلامي وبالتالي تشجيع المهدي على العودة من غيبته وقيادة المسلمين. ويعتقد الكثيرون من أتباع هذا الخيار السياسي الديني أن هناك مؤشرات بقرب زمن عودة المهدي لأسباب لن ندخل الآن في تصنيفها.
واقعنا اليوم
لماذا هذا الحديث الآن؟ لأنه كان من الواجب شرح بعض الخلفيات التاريخية والعقائدية التي يتبعها "حزب الله" والذي صرح رئيسه علناً، وفي مناسبات متعددة، بأنه يتبع من دون تردد أو نقاش توجيهات الولي الفقيه وبأنه يفخر بأنه جندي في جيشه. هذا يعني طبعاً أن مدّ سلطة الولي الفقيه هو واجب مقدس بالنسبة الى "حزب الله" وسيسعى الى تحقيقه بشتى الوسائل ومهما طال الزمن.
ماذا يعني ذلك في المعطيات الحالية؟ الواقع هو أن ما حدث من فضيحة مؤخراً في الطريقة المهينة التي تمت بها عملية التغيير الحكومي الأخير يؤكد مسائل عدة:
أولاً: لا يمكن أن يكون السيد نصرالله ومستشاروه غير مدركين بأن أسلوب استدعاء رؤساء الوزراء كان مسيئاً الى السنة بشكل عام في لبنان.
ثانياً: ان الشرح الذي قام به نصرالله في خطابه تضمن اساءات شخصية مقصودة الى الرئيس عمر كرامي أراد من خلالها تحجيم الشخصيات المؤهلة لرئاسة الحكومة وجعلها عرضة للتقييم من مرجعية "حزب الله".
ثالثاً: أرد نصرالله من خلال ما قام به الاعلان عن عهد جديد هو عهد ولاية الفقيه السياسي حيث تنتج السلطات في لبنان من خلال اعلانات وفرمانات تصدر عن "حزب الله".
رابعاً: ان "حزب الله" يدرك ان ارساء هذا الواقع سيؤدي حتماً الى تيئيس فئات واسعة من اللبنانيين، ترفض سلطة "حزب الله، ودفعها الى الهجرة أو الاعتكاف مما سيخلي الساحة له في السياسة وسيغير تدريجياً المعادلة الديموغرافية مما سيدفع قدماً في مد سلطة الولي الفقيه فوق كل لبنان.
خامساً: يعلم "حزب الله" ان ما قام به قد يكون دافعاً حثيثاً نحو احراج المكونات الأخرى للمجتمع اللبناني لتصبح أمام خيارين: اما الخضوع لمبدأ القضم الذي يمارسه "حزب الله" في البلاد وعلى العباد، أو السعي الى المواجهة بالعنف. وهو مشروع قد يرغب فيه "حزب الله" لظنه أنه سيكون الظافر في اي حرب أهلية سيفرض بعدها سلطته على الجميع وبالكامل.
لذلك فإن الموقف الآن من كل مكونات الشعب اللبناني يجب ألا يكون مرتبطاً برد فعل على اجراء دستوري عادي بتغيير حكومة، بل ان الضغط يجب أن يكون حاسماً على من يتم استدراجه من خلال الوصول الى السلطة بعد استدعائه من "حزب الله" للتأكيد على رفض ما يعد من مخطط للبلاد سيكون رئيس الوزراء المكلف في خدمته تحت ظروف الأمر الواقع. فهل يعي هذا الرئيس معنى أن يقول حسن نصرالله "الأمر لي".