هل هي مفارقات التاريخ، والزمن الذي يُعيد نفسه، بالأمس في 28 كانون الثاني كانت القاهرة تحترق، بدأ نهارها بتظاهرات احتجاجية سلمية، وانتهى بصراخ الكثير من المشاركين في هذه التظاهرات بحماية مصر من النهب الذي انفلت من عقاله، عندما حل الليل على القاهرة كان الجميع متفق على تجاوز كل شيء والمناشدة لإعادة الأمن إلى شوارع القاهرة… ما فعله كثيرون بالأمس "جريمة في حق مصر".
إنها من مفارقات التاريخ ففي 26 كانون الثاني 1952 اندلع من ضمن مؤامرة تخريبية حريق القاهرة الكبير في منشآت عدة في مدينة القاهرة وفي خلال ساعات قليلة التهمت النار حوالى 700 محل وسينما وكازينو وفندق ومكتب ونادٍ في شوارع وميادين وسط المدينة.
في حريق القاهرة الأول وفي الفترة ما بين الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً والساعة الحادية عشرة مساءً التهمت النار حوالى 300 محل بينها أكبر وأشهر المحال التجارية في مصر مثل شيكوريل وعمر أفندي وصالون فيردي، و 30 مكتباً لشركات كبرى، و 117 مكتب أعمال وشققا سكنية، و13 فندقاً كبيراً منها: شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا، و40 دار سينما بينها ريفولي وراديو ومترو وديانا وميامي، و 8 محال ومعارض كبرى للسيارات، و 10 متاجر للسلاح، و 73 مقهى ومطعماً وصالة منها جروبي والأميركين، و 92 حانة، و 16 نادياً. وقد أسفرت حوادث ذلك اليوم عن مقتل 26 شخصاً، وبلغ عدد المصابين بالحروق والكسور 552 شخصاً.
المشهد كان يتكرر بالأمس، وانقلب الحديث صباحاً عن المطالب المعيشية والإصلاحات السياسية والتنحي الرئاسي، غلى توافق الجميع غلى المناشدة بإعادة الأمن إلى شوارع القاهرة، تجاوز الجميع الحديث عن كل تفاصيل السياسة خوفاً وحرصاً على مصر، كان هذا صوت العقل المصري الذي وثقنا دائماً أن مصر عنده فوق وقبل الجميع، حماية مصر فوق السياسة والإصلاح السياسي، أمن المواطن المصري واستقراره، الغوغاء يجدون دائماً من يشجعهم على التخريب، وما أكثر "الشريرين" الذين يدعون ليل نهار لخراب مصر، ومصر باقية قلب العرب وشوكة في حلق وعين الطامعين والحاقدين.
حريق القاهرة عام 1952 أدى إلى تشريد آلاف عدة من العاملين في المنشآت التي احترقت، وقتها أجمعت المصادر الرسمية وشهود العيان على أن الحادث كان مدبراً وأن المجموعات التي قامت بتنفيذه كانت على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة، فقد اتضح أنهم كانوا على معرفة جيدة بأسرع الوسائل لإشعال الحرائق، وأنهم كانوا على درجة عالية من الدقة والسرعة في تنفيذ العمليات التي كلّفوا بها، كما كانوا يحملون معهم أدوات لفتح الأبواب المغلقة ومواقد إستيلين لصهر الحواجز الصلبة على النوافذ والأبواب، كما أن اختيار التوقيت عد دليلاً آخر على مدى دقة التنظيم والتخطيط لتلك العمليات، فقد اختارت هذه العناصر بعد ظهر يوم السبت، حيث تكون المكاتب والمحال الكبرى مُغلقة لمناسبة عطلة نهاية الأسبوع، وتكون دور السينما مغلقة بعد الحفلة الصباحية.
أليس هذا تاريخ يُعيد نفسه، محزن ما شاهدناه بالأمس، مصر أكبر من الأحزاب والسياسة، مصر لا تستحق ما شاهدناه بالأمس، نعم الشارع المصري مأزوم، والمواطن المصري مسحوق تحت وطأة الفقر، ومقهور بفعل العجز عن تغيير أو إحداث إصلاح ما، لكن ما بين صفوف هؤلاء اندس "كثيرون" يضمرون الشر لمصر بل ويتآمرون عليها لمصالح آخرين، المشهد محزن جداً، يوجع القلب على 7 آلاف عام من الحضارة، وعلى رغم كل الحزن والوجع والقلق على مصر وشعبها فهي قلب العرب، ورجالها خير أجناد الأرض، ومهبط الأنبياء الذين دخلوها دائماً آمنين، مصر هذه ستبقى واقفة أبية بهية، فهي كما وصفها أحمد فؤاد نجم:"مصر يما يا بهية..يامُ طرحة وجلابية.. الزمن شاب وانتِ شابة.. هو رايح وانت جاية".