#adsense

هكذا شارك السلاح في تسمية الرئيس المكلّف! – (بقلم فادي شامية)

حجم الخط

كتب فادي شامية في "المستقبل": ليس غريباً على الديموقراطية أن تنتقل كتلة نيابية من فريق إلى آخر، وليس مستهجناً في إطار "اللعبة السياسية" أن تتغير الأكثرية والأقلية، سواء على مستوى عدد النواب أو حجم التمثيل الشعبي، وليس جديداً أن تنهار أو تنقسم كتل نيابية صغيرة أو كبيرة… كل ذلك جائز ولا يمكن تسميته انقلاباً؛ فهل ما حصل في لبنان غداة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي يدخل في الإطار الديموقراطي كما يقول فريق 8 آذار، أم أنه انقلاب فعلاً وفق ما وصفه فريق 14 آذار؟!

السلاح يشارك في الاستشارات

الواقع أن أي تغيير على مستوى الأغلبية والأقلية النيابية لا يمكن اعتباره انقلاباً ـ بغضّ النظر عن أخلاقية تغيير نائب لموقعه خلافاً للوكالة التي أخذها من الناس عند انتخابه ـ إلا إذا كان هذا التغيير مرتبطاً باستعمال السلاح أو التهديد باستعماله، لأن الآليات الديموقراطية وُضعت في الأساس تجنّباً للاحتراب بين القوى السياسية المتصارعة، ومعنى ذلك أن دخول السلاح على المعادلة السياسية لا يصحّ، تحت طائلة توصيف التغيير الحاصل بأنه انقلاب، فهل حصل هذا في لبنان فعلاً؟ الجواب هو: نعم باطمئنان، وذلك استناداً إلى وقائع معروفة من جهة، واعتماداً على مواقف وتهديدات و"تحليلات" معلنة بوضوح من جهة أخرى. لذا، فإنه من المستغرب ـ والحال هذه ـ أن ينفي أحد ـ لا سيما الذين مارسوا التهديد بالسلاح ـ حصول "انقلاب أبيض" في البلد. ولعله من المفيد استحضار بعض هذه الوقائع والمواقف لتوضيح الصورة:

أولاً: أسقط فريق 8 آذار الحكومة بطريقة دستورية ـ ولو أنها مخالفة لاتفاق الدوحة ـ لكنه اعتمد على أسلوب الترهيب والتخويف بحدوث فتنة فيما لو تمت الاستشارات في الموعد الذي حدده رئيس الجمهورية، لأن "حزب الله" لم يكن متأكداً في ذلك الوقت من أنه سيؤمّن الأغلبية النيابية لمرشحه حينها عمر كرامي، وقد نشرت صحيفة "الديار" في 28/1/2011 نقلاً عن جهة رسمية أنه لو لم يؤجّل رئيس الجمهورية الاستشارات النيابية في المرة الأولى فإن "المعارضة كانت ستلجأ إلى سيناريو معدّ مسبقاً، وتقوم بموجبه مجموعات حزبية بتطويق منازل النواب، ومنعهم من الذهاب إلى الاستشارات، وكذلك إقفال طريق القصر الجمهوري"، وهكذا تمّ تأجيل الاستشارات التي كان مرجّحاً أن الرئيس سعد الحريري سيفوز فيها.

ثانياً: بعد جملة من التسريبات الإعلامية في إعلام 8 آذار والتي تتحدث عن عمل أمني كبير سيقوم به "حزب الله" إذا لم تقبل الأغلبية النيابية تنفيذ طلباته المتعلقة بالمحكمة، قامت مجموعات من "حزب الله" فجر الثلاثاء 18/1/2011 بانتشار أمني، بسلاح غير ظاهر، في عدد من النقاط والتقاطعات الهامة في بيروت، وفي اليوم التالي وضّحت مصادر "حزب الله" لصحيفة "الرأي" الكويتية، حقيقة ما جرى ( لم يصدر أي بيان عن الأجهزة الأمنية الرسمية!) قائلة: "نفّذنا بالأمس مناورة حقيقية غير مسلّحة لاختبار جهوزية الخطة الموضوعة للسيطرة على بيروت ومناطقها ومداخلها ومرفئها ومطارها، وكان من المقدّر أن تستغرق هذه المناورة أربع ساعات، إلا أنها أنجزت في ساعتين وبنجاح، ولم يعد يبقى إلا تحديد ساعة الصفر لتنفيذ الخطة المرسومة بدقة"!. ونستطيع أن نفترض أن تهديدات واضحة أبلغها حزب الله لمن يعنيه الأمر في ذلك الحين، وهو أمر لم يخفه مقربون من حزب الله لاحقاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر أعلن ناصر قنديل مساء الخميس 27/1/2011، من على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، أن ما قام به حزب الله هو انتشار ألف عنصر من الحزب، كدفعة أولى، بهدف اقتحام المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية، على أن تلي هذه الخطوة خطوات أخرى على الأرض، وأن الرئيس نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط كانا وراء سحب فتيل الانفجار!. ولدى سؤال صحيفة الشرق الأوسط في 29/1/2011 العميد المتقاعد أمين حطيط ـ المقرّب جداً من حزب الله ـ عن الموضوع أجاب: لا أستطيع إبداء رأي عام بالشكل المتماسك الذي عرضه قنديل… ولكن طريقة عرض هذه المعطيات توحي بأن مصدرها موثوق"!.

ثالثاً: عشية حصول الاستشارات النيابية في موعدها الثاني، تعرّض عدد من النواب لـ "تمنيات" من داخل الحدود وخارجها، تحضّهم على تسمية الرئيس نجيب ميقاتي "تجنباً للفتنة"، وقد أمكن التأكد من حصول ذلك عبر نائبين ـ على الأقل ـ في "اللقاء الديموقراطي"، وقد أضاف أحدهم (دون ذكر اسمه بناءً على طلبه) أن النائب وليد جنبلاط نفسه تعرّض لضغوط أدناها؛ التهديد بوقف التنسيق الأمني ـ الجاري حالياً ـ بين "حزب الله" و"الحزب التقدمي الاشتراكي"، وتحميل جنبلاط مسؤولية الفشل في إسقاط الحريري، مع ما يعنيه ذلك من تبعات أمنية، الأمر الذي دفع جنبلاط في معرض تبرير تصويته لمصلحة الرئيس نجيب ميقاتي أنه قال خلال اجتماع كتلته النيابية إنه "يفتدي سعد الحريري والبلد ضد أي مواجهة غير محسوبة النتائج". وينبغي في هذا المجال التذكير بالمؤتمر الصحافي الشهير الذي اضطر جنبلاط إلى عقده معلناً انحيازه إلى "سوريا والمقاومة"، بعد أن أعلن أنه سيسمّي سعد الحريري بكامل كتلته!، وذلك بالتزامن مع أنباء عن تحركات أمنية غير اعتيادية في أطراف الجبل ـ وفقاً لشهود عيان ـ و"إشاعات" عن اقتراب "ساعة الحسم".

ما سبق ـ خصوصاً أنه مؤيّد بكلام سابق ولاحق من الفريق المعني إياه ـ يشير إلى أن السلاح كان الصوت الأقوى في الاستشارات النيابية الملزمة، وأنه أسهم في تغيير موازين القوى، ما يعني أن التغيير حصل بعامل غير ديموقراطي، وتالياً إن وصف الانقلاب الفعلي على ما جرى صحيح تماماً، وهو ـ فضلاً عن ذلك ـ تلا انقلاباً دستورياً على العهود والمواثيق، سواء في اتفاق الدوحة أو في البيان الوزاري.

على أي حال؛ إن الرئيس نجيب ميقاتي نفسه لم ينفِ أن فريقاً مسلّحاً ـ بشكل منظم ـ كان على وشك استخدام سلاحه في مواجهة الفريق الآخر غير المسلّح، وإلا ما معنى قوله إنه ترشح لينقذ البلد؟!.

هل أنقذ ميقاتي البلد؟!
إن ما سبق يعني أن الرئيس ميقاتي ليس بمقدوره ـ حتى لو لم يكن يرغب ـ أن يحيد أن تنفيذ الهدف الأساس الذي أُسقطت حكومة الرئيس الحريري لأجله، هو فك ارتباط لبنان بالمحكمة الدولية. وإذا كان الرئيس ميقاتي يقول إن بتّ هذا الموضوع يكون بالحوار، فإن الفريق الذي حمله سياسياً يقول بوضوح إن الموضوع محسوم (تصريحات النائبين ميشال عون وطلال إرسلان، والوزيرين السابقين عبد الرحيم مراد ووئام وهاب… ) فضلاً عن "التدخل السريع" الذي قام به النائب حسن خليل رداً على مطلب كتلة "المستقبل" من الرئيس المكلّف إعلان تمسكه بالمحكمة كشرط لدخول الحكومة، ما أوحى بوجود دفتر شروط ووصاية سياسية على الرئيس المكلّف حتى قبل تشكيله الحكومة.

ولأن الأمر كذلك؛ فثمة من طرح من فريق 14 آذار مقاطعة الاستشارات النيابية الملزمة ـ لدى رئيس الجمهورية ـ وغير الملزمة ـ لدى الرئيس المكلّف ـ لكن سرعان ما سقط هذا الرأي؛ لئلا يُفهم الأمر على أنه مقاطعة لرئيس الجمهورية أو تعطيل مسبق للحكومة المقبلة.

وإذا كان منطق المقربين من الرئيس ميقاتي، الذين يطلّون على الإعلام هذه الأيام، يقوم على أساس أن البلد كان على وشك الانفجار، وأن ترشُّح ميقاتي أنقذ الموقف، فهذا يعني ضمناً الاعتراف بدور السلاح في المعادلة الداخلية، لأنه لا داعي لانفجار البلد إذا جاءت رياح الاستشارات خلافاً لما تشتهي سفن اللاعبين السياسيين!

بناءً على هذا الواقع؛ إن الرئيس ميقاتي يعتبر نفسه اليوم "مجتهداً" في طريقة التعامل مع الموقف، لكن الواقع أن ترشح ميقاتي في وجه الحريري أدى إلى ثلاث نتائج لا تقلّ سوءاً عن استخدام السلاح لو حصل. هذه النتائج هي:

أولاً: سمح للفريق الممسك بالسلاح أن يحقق ما يريد بمجرد التلويح بالسلاح، أي أنه سمح لهذا الفريق بقطف نتائج محتملة لعملية عسكرية مرتقبة… قبل أن تحصل. وقد تحقق الشق الأول مما يريده هذا الفريق بتغيير الأغلبية النيابية، وبقي الشق الثاني المتعلق بالمحكمة والذي سيظهر مع إعلان البيان الوزاري.

ثانياً: زاد ترشح ميقاتي من منسوب التوتر السياسي والمذهبي في البلد. هذا الجو كان واضحاً في "يوم الغضب" (25/1/2011) إذ شعر السُّنّة أن من يعيّن لهم رئيس حكومتهم ومن يسقطه هو "حزب الله"، خلافاً لما ألفوه سابقاً (يمكن هنا الاستشهاد بكلام السيد نصر الله حول كيفية استبدال الرئيس كرامي بالرئيس ميقاتي، وبكلام العماد عون: نحن رشّحناه!).

ثالثاً: نَقَل ترشح ميقاتي الفتنة إلى داخل الطائفة السنية ـ من دون أن يلغي أو يخفف من الاحتقان المذهبي ـ بل إن الرئيس ميقاتي وفي معرض تسويق نفسه؛ روّج ـ غير مرة ـ في إطلالاته الإعلامية لفتنة مناطقية، باعتبار أن "طرابلس يحق لها وتتشرف أن يكون رئيس الوزراء منها"! في محاولة لإدخال العامل المناطقي على الواقع السنّي الذي يعاني أصلاً "استثمارات بشرية" كبيرة لـ "حزب الله" فيه، وفي تسخيف مقصود من قبل ميقاتي للأسباب الحقيقية لرفض ترشحه من شرائح واسعة من بيئته، بما فيها طرابلس والشمال.

والأرجح أنه لن يمضي وقت طويل حتى يكتشف الرئيس ميقاتي مزيداً من النتائج السلبية لترشحه، وإذا كان حلفاؤه الجدد قد ارتاحوا من تخوين الحريري كلما التقى السفيرة الأميركية ـ كما يفعل ميقاتي اليوم ـ فلأنهم يريدونه أن ينجز المهمة ـ فك الارتباط بالمحكمة ـ بلا تشويش… وبعد ذلك لكل حادث حديث!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل