على ها مش ما يحصل في دول شقيقة
هل يعرف اللبنانيون قيمة نظامهم الديمقراطي؟
التحرّكات الشعبية التي عصفت في عدد من دول العالم العربي، اشّرت في شكل اساسي الى حقيقتين راسختين، الاولى ان الانظمة القائمة على التوارث والتأبيد، وهي عديدة في عالمنا العربي، معرّضة اكثر من غيرها الى الهزات والانتفاضات، خصوصاً اذا كانت هذه الانظمة منخورة بالتسلّط والقمع والفساد -وهذه هي الحقيقة الثانية – التي طال امدها، واصبحت كابوساً ثقيلاً من الفقر والقهر وكبت الانفاس ونحر الديموقراطية، وما حدث في تونس، ويحدث في مصر واليمن، وقد يمتّد الى انظمة اخرى مشابهة في دول اخرى، خير شاهد على عدم قدرة هذه الانظمة على الاستمرار، مهما طال عمرها، حتى ولو لجأت الى سياسة الحديد والنار في محاولة منها للمحافظة على وجودها واستمرارها، وهذه الانظمة، قد تكون انظمة جمهورية واخرى ملكية، كما هو واقع الحال في الدول العربية، وباستثناء الجمهورية اللبنانية، فان الانظمة التي تدّعي انها انظمة جمهورية تحوّلت جميعها الى انظمة ملكية فعلية، لا تنتهي ولاية الرئيس فيها الا بالوفاة او القتل او الانقلاب، كما حصل سابقاً ويحصل حالياً وسوف يحصل مستقبلاً، اذ لم يستدرك الرؤساء اخطاء واخطار تحويل الانظمة الجمهورية الديموقراطية الى انظمة آحادية، او انظمة ملكية مقنّعة.
***
هذه الحالة الشاذة التي يعيشها العالم العربي، والعديد من دول العالم الثالث، تجاوزتها الدول الاوروبية التي كانت تقوم على الانظمة الملكية المطلقة الصلاحية الى انظمة ملكية مقيّدة، هي اشبه بالفخرية، مثل الملكية في بريطانيا، واسبانيا، وهولندا، وبلجيكا، واصبح الحكم محصوراً في ايدي الحكومات المنتخبة ديموقراطياً من الشعب، وعلى قاعدة وجود احزاب تحكم ان هي حصلت على اكثرية نيابية، واقليّة تعارض وتسعى الى ان تكون اكثرية لتتسلم الحكم مستقبلاً، لذلك، وفي غياب ديموقراطية تداول السلطة، على غرار النظام اللبناني، سيبقى الغليان الشعبي مسيطراً في العالم العربي، اذا لم يستوعب الرؤساء والملوك والقادة، ان خير وسيلة لاستقرار دولهم، هي الذهاب الى الديموقراطية الحقيقية، ديموقراطية ان يختار الشعب بحرّية، نوابه ورؤساءه وقادته، بحيث يسقط الفاسدون منهم في اقلام الاقتراع وليس في الشارع، كما يحصل اليوم، بعيداً من القتل والتخريب، واعمال السلب والنهب، كما يحصل في مدن وشوارع تونس ومصر واليمن.
***
حيال هذا الوضع المخيف تحديداً، لا بد من التوّقف امام هذه الاحداث الاجرامية التي تشوّّه الى حد بعيد طهارة الانتفاضة الشعبية، وغضب الشارع المبرر، وتحوّل مطالبة الناس المقهورين بالحرية والديموقراطية وحق العمل والحياة الكريمة والامن، الى عملية فوضوية تدميرية اجرامية، تتناول المباني والمؤسسات العامة، التي دفع الشعب من لحمه الحيّ ثمن قيامها لتكون في خدمته، كما تتناول ممتلكات الناس من محال وسيارات وبيوت، وتروّع الاطفال وتعطّل الحياة اليومية بطريقة هي ابشع من طرق النظام الفاسد المتسلّط، بحيث – وهذا هو الخطر الاكبر – يتمنى الناس في اكثريتهم الساحقة، لو ان التحركات لم تحصل، حتى ولو انتصر النظام على آلام الشعب ومطالبه.
ان المشاهد البشعة التي نقلتها الفضائيات من تونس ومصر واليمن – خصوصاً مصر – كشفت، اما ان هناك طابوراً خامساً ينفّذ «أجندة» خارجية لتدمير مصر على غرار ما حدث للعراق، بقطع النظر عمّن هو في الحكم، واما ان غياب الحالة الحزبية الصحيحة في مصر، قد انتج مجتمعاً مصرياً صغيراً يتوسل العنف والجريمة نمطاً لحياته، الى جانب المجتمع المصري الكبير المتميّز بوطنيته وسلمية تحركاته، وفي هذه المناسبة لا بدّ من الاشارة الى ان القاهرة تعرّضت، على ما اذكر، في نهاية الاربعينات الى حرائق كبيرة، قضت على مؤسسات حكومية وغير حكومية، عرفت يومها باسم «حريق القاهرة» تبين في ما بعد ان اصابع خارجية كانت وراء هذا الحريق لضرب الوحدة الداخلية واضعاف الدولة العربية الاكبر في الصراع مع اسرائيل.
على الرغم من الشوائب التي تعتري النظام الديموقراطي اللبناني، وعدم تقيّد البعض احياناً كثيرة، في روحية هذا النظام ونصّه، الا انه يبقى النظام الامثل الذي تعتمده الشعوب المتحضّرة دســتوراً لحياتها السياسية والاجتماعية وهو على هشاشته بسبب الممارسة الخاطئة، انقذ لبنان التعددي من اخطار ومطبّات كثيرة، وحال بينه وبين حصول انقلابات عسكرية عدّة، سيطرت لسنوات طويلة، على عدد كبير من الدول العربية، وعلى اللبنانيين ان يتمسكوا بهذا النظام، ويذهبوا الى تطبيقه تطبيقاً صحيحاً كاملاً، اذا كانوا حقاً يرغبون الا يحصل في بلدهم ما حصل ويحصل في دول شقيقة اخرى.
انه جرس الانذار.