عندما يحدّثك أنصار "ديكتاتورية البروليتاريا" و"ولاية الفقيه" و"الحزب القائد في المجتمع والدولة" و"الكارنفال البوليفاري الدائم" عن الحرية وسقوط الأنظمة العربية، مزايدين على الشباب العربي المنتفض في تونس ومصر، وعندما يزمجر الممانعون على فضائيات ملاصقة للقواعد العسكرية الأجنبية، فيصادرون وقائع التغيير الديموقراطي ووعوده وأحلامه، ويحلمون بطغاة من نوع كيم جونغ إيل أو محمود أحمدي نجاد أو هوغو تشافيز، ليس لك أيها الديموقراطي العربي إلا أن تردد: "حسبي الله ونعم الوكيل".
ففي وقت باشرت فيه الشعوب العربية إبداع ربيعها الديموقراطي، وأعلنت أمام العالم اجمع أنّه حان وقت العبور إلى فضاء الحريّات العامّة والخاصة والدولة الأمّة والمجتمع المفتوح، وحان وقت تداول السلطة والفصل بين السلطات، والانعطافة الجذرية في السياسات التنموية والإجتماعية، يواصل نظام الغلوّ الطاووسي في إيران هجمته الشاهنشاهية الشاملة ويستفيد من تثبيت العين الديموقراطية العالمية على ما يحدث في تونس ومصر للتكثيف من إعداماته للعشرات من المعارضين والمعارضات لا لشيء إلا لأنهم مواطنون نزلوا إلى الشارع قبل عام ونصف العام سائلين عن أصواتهم المسلوبة ومحتجين على التزوير الفاضح للإنتخابات الرئاسية وعلى القمع المسعور للجماهير الشعبية، هاتفين "مركبار ديكتاتور" بوجه هينريش هيملر الشرق، الدكتور محمود أحمدي نجاد، وجاحدين بولاية الفقيه المطلقة، ومؤكدين أنّ لا مرشد أعلى للثورة بعد رحيل الإمام الخميني.
هكذا أعدمت أول من أمس المناضلة زهرة بهرامي شنقاً حتى الموت. لم تسعفها حيازة الجنسية الهولندية ولا كل السياسة الخارجية الهولندية أو الأوروبية ولا كل مؤسسات حقوق الإنسان. الآخرون أعدموا أيضاً، وإن لم تنتشر أسماؤهم كثيراً لأنهم لا يحوزون على جوازات سفر أجنبية.. المقاومة الإيرانية تتحدث عن مئة عملية إعدام منذ بدء العام.. والصور تجول على شبكة الإنترنت وتدمي العينين ولم يعرض الإعلام العربي شيئاً منها على ما نعتقد، وفي هذا قصور كبير.
هذا لن يمنع الغلاة النجاديين في العالم العربي بطبيعة الحال من محاولة مصادرة صنيع الشعوب العربية فضلاً عن حرفها عن مسارها، كما لن يمنع إعدامهم للمناضلة زهرة بهرامي من أن تتحول رمزاً ناصعاً للشرق الذي يولد من جديد. فأولئك الذين لم يتردّدوا في القول إنّ لبنان ليس أوكرانيا ولا جورجيا، والذين وقفوا وما يزالون دون الجهود القضائية الدولية الرامية إلى الكشف عن مرتكبي الجريمة المنظّمة والحرب السرّية الإرهابية ضدّ الشعب اللبناني، والذين حاولوا مدّ اليد في الأيام الأخيرة لنظام صدام حسين بقصد إنقاذه، وأرسلوا نخبة من مسلحيهم قبل عام ونصف العام إلى إيران للمشاركة في قمع "الثورة الخضراء"، صاروا اليوم بسحر ساحر من دعاة الديموقراطية، وساخطين على القمع.
فهل يعني ذلك وجوب أن توقف الشعوب العربية ربيعها الديموقراطي الآخذ في التبرعم؟ بالعكس تماماً. هذا الربيع الجنينيّ أمام مفترق كبير. فإما أن يضع نصب عينيه ضرورة الإنتقال الديموقراطيّ الليبراليّ الإجتماعيّ من دون أي لفّ أو دوران، مكرّساً معادلة ثلاثية هي "الخبز والسلام والحرّية"، وإمّا أن يتقهقر فيصبح مجرّد حطب للنزعات الفاشية والمتطرّفة الموجّهة أكثر فأكثر من قطب واحد في هذه المنطقة، هو ذاك القطب الذي قهر الثورة الخضراء لشعب إيران المظلوم بالحديد والنار.
فعلى الشعوب العربية أن تكون صريحة مع نفسها قبل أي شيء آخر، وتفصح عمّا تريد.
هل تريد الفكرة الدستورية أم تريد ما يهمشها أو يلغيها؟.
هل تريد ديموقراطية ليبرالية إجتماعية يكون الفرد فيها نواة المجتمع المدنيّ، ويكون الشعب فيها مصدر السلطات، أي مصدر الدولة من حيث هي المجتمع السياسي، أم أنّ معركتها ليست من أجل الديموقراطية، وإنّما ضدّ الإعتدال، وضدّ أن يكون الشعب مصدراً للسلطات، وضدّ أن تقوم في الأصل دولة أمّة تنهض بأحوال كل مجتمع عربيّ وتنخرط في عقد المجتمع الدوليّ مؤدية واجباتها في هذا الإطار وحريصة على حقوقها الوطنية؟.
وهل تريد تحوّلات جذرية في السياسات الإنمائية والإجتماعية لا يمكن تأمينها من دون تأمين مناخات سلمية في هذه المنطقة، وبالذات من خلال تحويل مبادرة السلام العربية إلى حركة سلام جماهيرية عربية، أم أنّ ما تريده هذه الشعوب هو إقتصاد للحرب، كذاك الذي تتربع فوقه فرق "الباسدران" و"الباسيج" في إيران؟.
وهل تريد الشعوب العربية إشاعة مناخات الحريات العامة والخاصة أم أنها تؤمن بما تردّده "الأنظمة الثورية" قديماً وجديداً من أنّها لا تؤمن بحرية الفرد، وإنما فقط بحرية الجماعة، وبأنّها لا تؤمن بالحريات العامة ولا الخاصة وإنّما فقط بوحدة الرأس والأطراف في البدن القومي الواحد؟.
وهل تريد الشعوب العربية إستئناف النهضة الثقافية الأدبية وخوض معركة التنوير والعقلانية أم أنها تريد مبايعة الوعي الفقيه أو ما يعادله؟.
فالتغيير لم يحدث في أوروبا الشرقية إلا عندما أجابت شعوبها بنعم تاريخية أكيدة على أسئلة شبيهة بهذه واختارت التطور في الإتجاه الديموقراطيّ الليبراليّ لكل بلد من البلدان، وعلى قاعدة الإنخراط في حضارة الغرب لأجل توسيع حدوده.
والتغيير لم يحدث في كوريا الجنوبية إلا عندما جلت الغشاوة عن عيون الناس. ففي وقت سابق كان عمّالها الشجعان يتحدّون الطغمة العسكرية الإنتاجية في سيول لكنهم يحلمون بالإنضمام إلى الجماعة التوتاليتارية لنظام كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ. فقط عندما فهم هؤلاء العمال، ونقاباتهم، والمجتمع المدنيّ في كوريا الجنوبية، أن المثال الديموقراطيّ الليبراليّ هو الذي ينبغي أن يحتذى، شرط أن يقترن بسياسة إجتماعية تنموية شاملة، تبدّل الحال، وصارت البلاد نموذجاً يحتذى في الديموقراطية الليبرالية.
أما في عالمنا العربيّ، فإنّ الربيع الديموقراطيّ الكبير المنطلق الآن ما زال عند نقطة بدائية رغم كل شيء: نقطة إختلاط حابل الديموقراطية بنابل الفاشية، في ظلّ إختراق إيرانيّ واضح المعالم، ومنطلق بشكل أساسيّ من وقائع القمع الباسدرانيّ للثورة الخضراء الإيرانيّة، والمصادرة الباسدرانية أيضاً لجزء كبير من المخاض الديموقراطيّ العراقيّ، والإنقلاب الباسدرانيّ أيضاً وأيضاً على ربيع بيروت الإستقلاليّ الديموقراطيّ، والتقطيع الباسدرانيّ لأوصال الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن ينسى كيف خرج الأمين العام للحزب الحاكم عندنا في يوم القدس العالمي لعام 1997، منادياً بخروج خالد إسلامبولي جديد لإعدام الرئيس الرمز ياسر عرفات؟.
أولئك الذين نادوا علناً بإعدام ياسر عرفات، والذين أعدموا زهرة بهرامي بالأمس، أنّى لهم أن يتكلموا في الديموقراطية والحرية والكرامة وحقوق الإنسان وتداول السلطة؟. مرة جديدة ليس لنا إزاء هذه المفارقة المضحكة المبكية غير القول "حسبي الله ونعم الوكيل".