لو كنت ميشال عون، وان كنت لن أحظى يوما بهذا الشرف العالي، اذ لا يمكن أن يمنّ علينا الدهر بهذا الدفق من "الخير"، كما لا يمكن أن يتكرّم علينا كل نحو ثمانين سنة، بتحفة انسانية من هذا النوع! لكن وبما ان الحلم هو أكثر المشاريع المحققة في لبنان، لو كنت ميشال عون الآن، وفي هذه اللحظات، وفي غمرة هذه الاحداث، لكنت استعرت بعضاً من كرامة، ليس من أقرب المقربين، لا يملكونها، انما من أبعدهم وأكثرهم تناقضا معي، وحملت مسدسا وأطلقت آخر رصاصة كرامة على قلبي مباشرة، علّ علّ الموت يمحو بعضا من عار نفسي…
لكن لا هو قادر على الامساك بمسدس، ولا ببارودة خردق حتى، ولم يفعلها يوما حتى منذ تاريخ دخوله الجيش، لانه لم يدافع يوما لا عن أرض لبنان، ولا عن الجيش، ولا عن كرامته، انما عن أحلامه المؤجلة.
كان يجلس خلف مكتبه في وزارة الدفاع يصدر الاوامر، وخصوصا أيام حرب الجبل، حين دبّ الرعب في أوصاله، وما تجرأ على الخروج لمجرّد تفقد المواقع العسكرية، وأوكل أمر الجبهات للجيش بمساعدة "القوات اللبنانية"، التي كانت تتخبط لوحدها يومذاك في ذاك الجبل، خصوصا وبعدما فجأة أمر الجيش بالانسحاب، تاركا القوات لوحدها في مواجهة النار من دون عتيد كاف ولا عتاد … وقاومت القوات وصمدت لوحدها اثنين وسبعين يوما، ليل نهار، في محاولة مستبسلة للحفاظ على القرى المسيحية، وعلى ما تبقى من وجود مسيحي فيها…. وهو متلط خلف مكتبه مرتعب. هو قائد الجيش !!
يوم عيّنه الرئيس أمين الجميل رئيسا للحكومة الانتقالية عام 1988، وضع هدفا نصب عينيه، ان مهما حصل سيكون رئيسا للجمهورية، وكي يكون رئيسا للجمهورية ويستحق الكافأة الموعودة، كان عليه أولا تنفيذ الاجندة السورية بالكامل، بالكامل، وأول بنود هذه الاجندة، ضرب المسيحين بالطول وبالعرض، وتحديدا ضرب "القوات اللبنانية" و"الكتائب" وكل من يقول لا لسوريا، وتحويل ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية الى منطقة مفتوحة للسوريين كبقية المناطق. وكالتلميذ النجيب الشاطر، ابتدع حرب التحرير ليدقّ المسامير في نعش حافظ الاسد، عله بذلك يكسب الرأي العام، فدُقت المسامير في نعوش المسيحيين والمسلمين أيضا، وتحوّلت بيروت الشرقية والغربية معا، الى قوافل من النعوش البيض. ثم وكي يستكمل مهرجان الدمار والاجندة المطلوبة، ابتدع حرب الالغاء ليقضي على ما تبقى من الوجود المسيحي الحرّ، وليجرّد المسيحيين من كل قواهم، وبعدما كان عديد الجيش السوري في لبنان لا يتجاوز الثلاثين الفا، تضاعف وصار نحو ستين الفا العام 1989 ويحتلون كل كل المساحات اللبنانية، ويلقون القبض على آخر الكرامات على آخر قرار، "كان" حرا في لبنان.
خسر حرب التحرير، خسر حرب الالغاء. مئات القتلى والجرحى، دمار هائل. لجأ الى السفارة الفرنسية. ترك الجنود وليمة للذل. ترك عائلته وليمة للذعر. هرب الى فرنسا. عاش ملكا في قصر. استشهد جنوده ببنادق السوريين. قبض السوريون على لبنان، على نبض لبنان على قلبه على مسيحييه ومسلميه. المسيحيون الى أقبية التعذيب في وزارة الدفاع. اغتالوا داني شمعون. جميل السيد بالسيف السوري تحكّم بقدر المسيحيين. فجروا كنيسة سيدة النجاة لينالوا من اخر الانفاس الحرة، من سمير جعجع و"القوات اللبنانية". ابتدعوا لهم التهم تلو التهم، والجميع الى البلانكو السوري. سمير جعجع تحت سابع أرض في وزارة الدفاع بعدما رفض صفقة الرحيل عن البلاد. ميشال عون يضحك على ضفاف نهر الـ"سين". يدخل مع "قوات" الاغتراب في استخراج القرار 1559. من بعيد لبعيد يطالب بجلاء الجيش السوري، وفي لبنان نواة ثورة الارز تندلع بعد استشهاد رفيق الحريري. هنا شعر ان حان الوقت لفتح قنواته مع السوريين. وقّع معهم على صفقة عودته الى لبنان، بعدما تعهدوا حرق ملفاته في سرقة ونهب الشعب اللبناني ايام القصر الجمهوري. يعود "بطلا " الى لبنان. ويبدأ مسيرته الجديدة لتشليع المسيحيين. وثيقة ذل جديدة مع حزب "السلاح" عام 2006، بعدما كان بنى نصف شعبيته على انتقاد سلاحه، والدعوة الى تجريده منه على أساس لا يمكن لجمهورية أن تنمو على انقاض الجمهورية اللبنانية، وفجأة صار السلاح سلاح مقاومة دفاعا عن لبنان العظيم!!
يشن حربا مدروسة على كل رموز ثورة الارز. جبران التويني أوّلهم. يستفزه عبر وسائل اعلامه متهما اياه بالجبن. يعود جبران من فرنسا ليل الاحد، ويستشهد صباح الاثنين.
شهيد وراء شهيد من ثوار الارز. ميشال عون يحيك الاتفاقية وراء الاتفاقية مع الجلادين. يهاجم البطريرك الماروني. يعتدي على اخر الكرامات المسيحية في هذا الشرق.
23 كانون الثاني 2007، وصلته اوامر اليوم من والي الضاحية. أحرق المناطق المسيحية. نزل الى الشارع أحرق الممتلكات أقفل التواصل. حاول المغول بمساعدته اجتياح المناطق المسيحية. نزل أهلها الى الارض لقنّوه درسا في المقاومة وفي الكرامة فعاد عون وصحبه مذلولين.
7 ايار 2008، وصله أمر اليوم، فصدّق وبصم على يوم الدم "المجيد". 28 اب يوجّه لوما للضابط سامر حنا الشهيد على يد حلفائه، لانه سمح لنفسه اختراق اجواء الحزب في سجد!
شعبية 2005 الهادرة، تتراجع تدريجا وبشكل لم يعهده "الزعيم" المسيحي من قبل، على ابواب الانتخابات الطالبية ثم النقابية، فالانتخابات النيابية عام 2009.
نسته دول العالم، وحدهما ايران وسوريا ترحبان به. سنتان امضاهما بشار الاسد ليقنع نيكولا ساركوزي باستقباله، وافق بعدما استقبل أولا الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وبعدما كان عين موعدا لاستقبال الدكتور جعجع، قبل أن يعتذر الاخير بسبب الاحداث الاخيرة.
جُن اعلامه الذي تقاضى أكثر من أربعين مليون دولار من ايران، جُنّ حين علم باستقبال الرئيس المصري لجعجع. جُن لعلاقاته مع السعوديين، لصداقته مع عمرو موسى. لعلاقاته الدولية في الولايات المتحدة واسبانيا وسواها. وهو المعزول في جمهورية السلاح والدمار.
هجوم متواصل على بطريرك الموارنة. يرسل بعضا من ناسه لتقديم شكوى بحقه الى الفاتيكان، لمجرد انه يرفض هيمنة السلاح على مصير البلاد، وتسليم المسيحيين لسطوة الحزب الاحادي. يعودون من الفاتيكان خائبين.
لم يتوقف الرجل هنا ، قالوا له اهجم على المحكمة الدولية. طبعا لا شهداء لديه. لا مقاومين. لا يهمه أساسا اذا كان من بين صفوفه شهداء، يهمه أن يصل. على دمائهم على عارنا على رأس لبنان على كرامته، المهم أن يصل أن يجلس ولو لمرة، لساعة، لعمر قد لا يتجاوز الثواني، الى الكرسي الاحمر، ليسمع حلم احلامه ليسكر بـ "فخامة الرئيس".
تحت ستار الفساد، شرّع الفساد وجعله ايقونة، وتحولت وزارتا الاتصالات والطاقة خصوصا، الى امثولات حيّة للصفقات المشبوهة، ومصدر الثروات الهائلة لوزرائه.
شرّع بيع الاراضي في قلب المناطق المسيحية، ساعد المتمولين الشيعة عبر صهره ونواب المناطق المنضوين تحت كتلته النيابية، لتسهيل بيع تلك الاراضي.
آخر الاوامر. تنفيذ انقلاب على الدولة لتسهيل دخول سوريا من الشباك، بعدما طردتها ثورة الارز من الباب العريض.. يضحك عاليا. نجح الانقلاب. عاد السوريون الى قلب قلب السلطة. "حزب الله" قبض على أنفاس البلاد. العبد عاد الى أصله…عبدا، انما لإثنين بدل الواحد.
صار المستكتب في بلاط الضاحية. والخادم لرعية قصر الشعب في سوريا.
… لو كنت ميشال عون للعنت القدر اني كذلك… لكن لا، لو كنت ميشال عون لما عرفت أساسا اني كذلك، لاني لو كنت ميشال عون، لما عرفت ان تاج الانسان كرامته، وان لبنان كرامتنا، وان الحياة وقفة عزّ، وان العزّ لا يمكن أن يسلك درب انسان احترف الذل والحقد، وان المسيح بالنسبة اليه، هو نفسه قبل اي مسيح "آخر"، وان العذراء مريم تحرس هذه الارض من أمثاله مهما فعلوا.
لو كنت ميشال عون وعرفت اني ميشال عون، لاطلقت رصاصة على صدري، كي لا اعرف اني هذا الانسان.