يشبّه الكاتب البريطاني ديزموند ستيوارت الشعب المصري بنهر النيل، الذي هو "سلس المسار، هادئ، غزير، يثور في الوقت اللازم ليفيض الطمى على ضفافه حاملاً الخير لأهله".
لم يخطئ الكاتب في هذا الوصف الذي ضمنه كتابه المشهور عن مصر بعنوان "تاريخ الشرق الأوسط – معبد جانوس" وفيه يعرض اوضاعها منذ افتتاح قناة السويس عام 1868 الذي ارتبط بتقديم اوبرا عايدة الى ما بعد ثورة 23 يوليو 1952، اي منذ زمن الخديوي اسماعيل الى زمن جمال عبد الناصر الذي أمم القناة نفسها.
مات ديزموند ستيوارت في القاهرة مسموماً، وحامت الاقاويل حول فرضية جريمة فردية وراء مقتله. كان ذلك في العام 1981، أي قبل ثلاثين سنةً.
عمر الكتاب يفوق هذا الرقم، لكن دقة ملاحظة صاحبه ازدادت صدقاً مع الأيام والوقائع.
كانت ثورة يوليو انقلاباً عسكرياً محضاً، لكن قيادته، بمبادراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أعطته سمة الثورة، خصوصاً أن الشعب حضنها بعد "برقيات" تململ وجهها الى النظام الملكي، وكان حريق القاهرة الشهير في كانون الثاني 1952، احد ابرز مفاصلها، برغم تضارب المعلومات حول مفتعله، وهو ما ابقاه الى اليوم، لغزاّ يغذي تكهنات تشير الى المحتلين البريطانيين، حينها، كما الى حزب " مصر الفتاة" و"الاخوان المسلمين".
كان حريق القاهرة الشرارة التي عجّلت في ثورة "الضباط الاحرار" قبل 58 عاماً بالتمام والكمال، منها 30 عاماً تحت قيادة الرئيس الحالي حسني مبارك، فيما "حريق" الجوع للغذاء والديموقراطية كان شرارة ثورة حقيقية اليوم.
قد يكون لـ"ثورة الياسمين" التونسية راية السبق، زمنياً، لكن الاثنتين، ليستا وحيدتين في هذا العالم العربي: فرسائل التململ انطلقت ايضاً في الجزائر والأردن والسودان وليبيا واليمن، فيما ينشغل بال أنظمة في دول عربية أخرى باقتراب قرع هذه الموجة أبوابها.
يوم انهار جدار برلين في 9 تشرين الثاني 1989، فتح الباب للديموقراطية الى أوروبا الشرقية، فاهتز التوازن الدولي، وتوجهت أنظار الباحثين السياسيين الدوليين الى العالم العربي، جار أوروبا الأقرب، حيث جدار "حالة الطوارئ" يحجب الديموقراطية عن شعوبه، ويسدّ جوعهم بشعارات حفظ النظام، ورشى المصالح للطبقات النافذة التي تحول العائلة والأخوال والأعمام "والقطط السمان" الى قبيلة تتمسك بالنظام، وتطعم الفتات لطبقة أدنى تُشكل زنار أمان لها، بحيث يصبح الشعب فئتين : واحدة تستحق الحياة، والأخرى مسموح لها بالموت.
من بين أبرز ما يجمع بين ثورتي تونس ومصر إصرار جماهير البلدين على جذريّة التغيير، ورفض أي حل وسط مع النظام في كل منهما، أي إسقاط "الديموقراطية التجميلية" التي غطّت، وتغطي العالم العربي خصوصاً والعالم الثالث عموماً، حكومات غير كفية يديرها القائد الأوحد والحزب الغارق في الفساد، والمراقبة المخابراتية، وأزمة اقتصادية متفاقمة الخطورة .
ما تقوله الثورتان، ومثيلاتهما الآتيات في دول أخرى، أن ادعاء مواجهة التشدد الإسلامي لم يعُد يُطعم خبزاً لأنظمة تعاني شعوبها ركودا سياسيا واقتصاديا مزمنا، ولا سيما أن دور الأحزاب الإسلامية ليس طليعياً وقيادياً في الحالتين، على الأقل، حتى اليوم.
وما وشت به، أيضاً، الثورتان، أنّ الرابطة القومية لا تزال حيّة بين الشعوب من جهة، وبين الأنظمة من جهة أخرى، الأولى أيقظها ما يجري، الا أنّ صمتها آن آوان نهايته، والثانية بادرت الى توزيع " الأنعام " على مواطنيها استباقاً لما قد تأتي. وفي المقابل تزداد الدعوات الدولية، لا سيما الأميركية والاوروبية، الى الخروج من المواجهة، في مصر وتونس، بإصلاحات ديموقراطية، وذلك ليس غيرة على المنطقة بل هو حفظ للمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. فما يجري ليس أقل من إعادة صياغة النظام العربي الذي أفَلت صيغته القديمة فيما الجديدة قيد الولادة بمشاركة من شعوبه يفترض ان تكون فاعلة ومقررة .