انَ أستعراضا سريعا للمشهد الداخلي يظهر، بما لا يحتمل شكا، أنَ الولاء للوطن عنوان بلا مضمون. فالولاء شريد، محكوم عليه أن يتفعّل وراء حدود خارطة لبنان، ليتبدَل اسمه عندنا فيصبح تبعيَة. من هنا، فالولاء بحاجة الى وكالة غوث، تعيد صياغة المفاهيم، وتخضع الجميع لدورات أعادة تأهيل ولائية، تغيب عنها المفردات المستوردة من قواميس الخارج.
ان لبنان أمَة، كيان معرّض للمخاطر أذا لم تهتف حناجر أبنائه بصوت واحد "لبَيك". فإذا كانت المحكمة الدولية مشكلة لبعضهم، وأذا كان السلاح خارج الأطر الشرعية هو مشكلة لبعضهم الآخر، فهذا لا يعني أبدا أن نختزل المسألة اللبنانية بهما، مع التأكيد على أنهما جزء مركزي في جدول اوَليَات الناس وانقسامهم. وأذا سلَمنا جدلا بأنَ لبنان منقسم بين "متشرَقين" و"متغرَبين"، لحماية المحكمة أو السلاح، أوليس من الأجدى أن يتمَ التخلَي شكلا ومضمونا عن هذا الأصطفاف والعودة الى "التلبنن" حلا وحيدا مجديا، أي تمتين العلاقة مع مفهوم الولاء، وهكذا يخرج الوطن من عنق الأزمة؟
انَ الدَاعين الى التغيير، لم يبرهنوا حتى الساعة أنَهم ملتزمون منهجيا به، بل هم متوقَفونعند حدود اللفظة فقط. فالمواقف، بالرغم من اللهجة الناعمة لبعضها، لا يستشفَ منها سوى الكيدية والأنتقام ووضع اليد على المفاصل التي لم تطلها بعد أيديهم. والواضح أن هدفهم هو أحكام القبضة على جوانب السلطة، لاستخدامها من جانب بعضهم وسيلة للتشفَي والثأر، ولاعتمادها من جانب بعضهم الآخر رافعة لتمرير مشروع مشبوه ولتجميد أضداده.
فهل يكون الولاء للوطن مثلا، باستبدال الحرب الأبدية مع العدو، بحروب متتالية في الداخل كلَفت الكثير؟ يخطئ من يحسب أنَ تدجين الداخل بالقوة يمكن أن يشكَل عاملا توحيديا على مستوى الموقف المواجه، لكنَه يخلق سيكولوجية رفضوية متحفَزة دوما على الأنقضاض، متى أصبح الظرف مؤاتيا. وبالتالي تفقد "المقاومة" تحصينها الشعبي الضروري بجعل الشعب مكبوتا.
وهل يكون الولاء بالأنقلاب على ما تمَ التفاهم حوله في الميثاق،؟ فيكون مقبولا متى كانت نتائجه لمصلحة طرف معيَن، ويكون مرفوضا عندما يدعم مواقف الطرف المقابل؟ أنَ الأستماتة التي تمَ " أنزالها" الى الميدان على مستوى الألتزام بالديمقراطية التوافقية، وذلك في انتخاب رئيس مجلس النواب، أعتبرها الذين فرضوها "بدعة" سياسية لا يمكن الأخذ بها في "انتخاب" رئيس الحكومة.
وهل يكون الولاء بإفراع السلطة من جدواها بشلَها المقصود، واتهام الفريق الآخر بتعطيل مصالح الناس؟ انَ هذا العبث المتعمَد الذي غزا المشهد السياسي بل الوطني، يصلح لأن يكون "ديكورا" لفيلم لبناني نأمل ألاَ يكون طويلا.
انَ رحلة في زمان لبنان، تختصر دهرا من البطولات الناصعة التي لم ينلها زيف، وتدلَ على أنَ الولاء وحده كان في أساس اندفاع "الأبطال " الى افتداء الوطن. حسبنا أن نعتبر، على هذا الصعيد، كي لا يسري علينا أمر "ألى الوراء سر".