لم يكن تصرف النائب والرئيس الاسبق نجيب ميقاتي، والمتمثل بترشّحه لرئاسة الحكومة اللبنانية يدل على نجابة وحسن فهم للخطر الداهم الذي يتعرّض له لبنان بوجهه ونظامه ودستوره وحرياته ووحدته الوطنية، من قبل فريق سقطت عن وجهه كافة الأقنعة المزوّرة، ولا سيّما منها قناع ما يسمى "المقاومة"، اللهم إلا إذا كان يعني بها مقاومة الدولة اللبنانية!
فقبل ساعات من بدء الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة، أحرقت المعارضة ورقة مرشحها المزعوم عمر كرامي لتعلن عن تبنيها ترشيح نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة الجديدة، علماً أن ميقاتي معروف بعلاقته الشخصية الوطيدة جدا بالرئيس السوري بشار الأسد، إضافة لكون أخيه طه ميقاتي مستشاراً شخصياً للرئيس السوري.
وقد جاء ذلك التبديل المفاجئ في المرشحين، بعدما نعى الأمين العام لـ"حزب ولاية الفقيه" خيار تسمية كرامي، والذي اتى على خلفية تأكده من عدم حسم الاكثرية النيابية الى جانبه، حتى مع اعلان رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط خياره النهائي الى جانب سوريا وما يسمى "المقاومة"… ليتبيّن فيما بعد ان نصرالله وسوريا اختارا الرئيس نجيب ميقاتي الذي أعلن ترشحه بعد تبليغه باختياره.
وقد نمّ هذا التكتيك الانقلابي عن تخطيط دقيق وعملية تمويه مدروسة بإحكام، بدليل أمرين:
الأول: ان الرباعي الطرابلسي الذي يضم النواب ميقاتي ومحمد الصفدي واحمد كرامي وقاسم عبد العزيز، كان منقسما حيال ترشيح عمر كرامي، مما لا يسمح للمعارضة بالرهان على اختراق قوي فيه يضيف الى النواب الخمسة او الستة من كتلة جنبلاط نائبا او نائبين ولو امتنع واحد أواثنان منهم عن تسمية اي مرشح. اما في حال ترشيح ميقاتي، فان المعارضة تراهن على حصد اصوات الرباعي بكامله، وبالتالي تأكيد فوزها.
والأمر الثاني: ان الابقاء على ترشيح عمر كرامي حتى اللحظات الاخيرة التي سبقت الاستشارات وسبقت الإعلان عن البديل، هدفت الى استخدام كرامي ككبش محرقة او درع يحمي المرشح البديل وربما الاسياسي نجيب ميقاتي، بحيث تتوجه إلى شخص كرامي جميع الانتقادات السياسية وردات الفعل والنقمات الشعبية من قبل الفريق الاستقلالي المؤيِّد للحريري، فيما يبقى البديل أو الأصيل في مأمن ريثما يحين وقت الكشف عن اسمه. فيحدث ارباكاً سياسيا وشعبيا ويتم طرحه على انه مرشح توافقي، في حين ان الأصيل والبديل وجهان لعملة واحدة.
نعم، كرامي وميقاتي وجهان لعملة واحدة، لكون ترشيحهما جاء من جهة واحدة أعلنت بصراحة أنها أسقطت الحكومة على خلفية عجز الأخيرة عن اتخاذ موقف يلغي المحكمة الدولية ويحقق ما يسمى "شهود الزور"، وبالتالي فهي لن ترضى برئيس حكومة جديدة إلا اذا أتى وفقاً لبرنامج عملها ودفتر شروطها التي فرضت إلغاء المحكمة الدولية بنداً أولاً فيه.
كرامي وميقاتي وجهان لعملة واحدة، لأن ترشيحهما جاء من قبل الأمين العام لـ"حزب ولاية الفقيه"، الذي سمح لنفسه بفرض اسم رئيس الحكومة السني في لبنان، بعدما فرض رئيس مجلس النواب الشيعي، بعدما نصّب نفسه "ولياً فقيهاً" على الدولة اللبنانية، مستقوياً بسلاحه وبالرعاع الميليشيوي الذي ينشره في الشارع متى دعت الحاجة، لترهيب الآمنين وانتزاع مكاسب سياسية.
الرجلان وجهان لعملة واحدة، لأنهما رضيا بأن يعلنا ترشيحهما ضاربَين عرض الحائط بالإرادة الشعبية والتأييد السني، اللذين عقدا لواء الزعامة السنية في هذه المرحلة للرئيس سعد الحريري، وبالتالي يكون الشخصان قد وافقا على ليِّ ذراع الرئاسة الثالثة، وكسر كلمة الطائفة التي تتبوّء منصبها، واغتيال الشخص الذي ارتضاه 95% من ابناء طائفته وفي مقدمتهم المرجعية الدينية المتمثلة بدار الفتوى والمجلس الشرعي ومجلس المفتين.
الرجلان وجهان لعملة واحدة، لأنهما رضيا أن يُستخدما كواجهة سنية لمشروع "ولاية الفقيه" الذي بسيطرته على الرئاسة الثالثة يكون قد وضع يده بشكل كامل على لبنان، وضمّه رسمياً الى سلسلة "الهلال الشيعي" الذي يجتاح المنطقة ويفتت دولها، أو يحولها الى دويلات طائفية أو عرقية أو مذهبية، بما يتوافق مع مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، الذي انطلق من غزّة عام 2007 بتحريض إيراني واضح وليس من السودان عام 2011.
لقد ارتكب خطأ كبيراً، وغامر الرئيس نجيب ميقاتي بقبوله الترشح لمنصب الرئاسة الثالثة في مواجهة الحريري، والغريب أنه طرح نفسه مرشحاً وفاقياً كما وصفه مرشحوه في "8 آذار"، فيما الحقيقة كما يتبيّن مما سبق خلاف ذلك تماماً؛ فالقاعدة الشعبية الاستقلالية على تنوّع انتماءاتها الطائفية ولا سيما منها السنية، لم ينطل عليها ذلك الوفاق أو النفاق، فعبّرت عن غضبها بردات فعل احتجاجية سلمية وديموقراطية، عمّت الشوارع اللبنانية ومدينة طرابلس التي ينتمي اليها الرئيس نجيب ميقاتي.
ولا شك أن لسان حال هذه الجموع الحاشدة والغاضبة يقول: دولة الرئيس نجيب ميقاتي لقد كنت شخصية محبوبة ومحترمة في نفوس الاستقلاليين الذين يقدّرون لك حسن قيادتك للحكومة الانتقالية التي تشكلت على أثر سقوط حكومة الوصاية عام 2005، ووقوفك الى جانب المبادئ السيادية في انتخابات 2009 التي خضتها مع الرئيس الحريري ونلت ثقة الناخبين وأصواتهم على أساس وفائك لها، أما بعد قبولك بالترشح بتزكية من سوريا وتكليف من "ولاية الفقيه" صاحبة المشروع العقائدي والتوسعي المدمر للبنان والمنطقة، وبعد موافقتك على أن تُفرَض من قبلهما كرهاً على طائفتك وناخبيك لتبوّء منصب وطني لكن في الوقت عينه سني بامتياز، فقد أحرقت صورتك بنفسك وأعلنت انحيازك للفريق الإنقلابي.
ومن هنا، ندعوك الى اتخاذ الموقف النجيب، من خلال المسارعة لسحب ترشيحك حفاظاً على ما تبقى من ماء الوجه، وقبل ان تصبح صورتك الحسنة التي بدأت تحترق في أعين الناس رماداً.