#dfp #adsense

“نضج” مختلف بالحوار وبعده؟

حجم الخط

على رغم ضآلة الفرصة الواقعية المتاحة لمشاركة قوى 14 آذار في الحكومة الجديدة، يبدو هذا الحوار الطالع بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والقطبين المسيحيين في فريق 14 آذار الرئيس امين الجميل والدكتور سمير جعجع بمثابة اختراق غير محسوب ليس في مسلك تأليف الحكومة وحده بل في مجمل المناخ الداخلي المستجد. وهو اختراق يمكن ان يبنى عليه ما يؤسس لتبديل كل الانماط القديمة التي حكمت فترة التمزق و"الحداء" والعداء والتي سيكون من الخطير جدا معاودتها من حيث بلغته ما لم تتعظ جميع القوى الداخلية بالزلزال العربي المخيف الذي يحوط لبنان.

فحتى مع الافتراض الاقوى حتى الآن في عدم التوصل الى اتفاق يتيح انضمام قوى 14 آذار الى الحكومة، يمكن هذا الحوار ان يفتح الباب امام استحداث ضوابط للازمة الداخلية عبر تبديل يغدو حتميا لسلوكيات كل من الاكثرية الجديدة والمعارضة الجديدة. ولعلها واحدة من اكثر الحقبات الخطيرة التي تطل عليها المنطقة والتي تملي على القوى اللبنانية ان تقيم بنفسها مثل هذه الضوابط بعدما اثبتت تجربة اسقاط الحكومة السابقة عقم كل انواع الوساطات والمداخلات والتدخلات والتي لم تعد على لبنان سوى بفائض من العداء والشحن والتوتر ناهيك عن افتضاح المدى العميق لخبث هذا "الوسيط" او لتواطؤ ذاك او لعجز ثالث.

فمن مقلب 14 آذار قد يكون أفضل ما يظهره اقبال الشريكين المسيحيين للرئيس سعد الحريري على فتح ثغرة الحوار انهما يظهران بالملموس استشرافا غير عادي لآفاق المرحلة اللبنانية والاقليمية الخطرة بالاستناد الى تجارب مكلفة وباهظة الاثمان تكبد المسيحيون اضرارها سحابة 16 عاما واكثر في السابق حين اخرجوا قسراً من السلطة واستهدفوا معزولين من "كل ظهر" وحماية. هذا الاقبال على الحوار يكشف نضجا مهما في الالتصاق بالشرعية، ولو مطعونا بالوسائل التي اتبعت لتكوين اكثرية جديدة افضت الى اسقاط رئيس الحكومة سعد الحريري. وهو حوار، وان لم يؤد الى دخول 14 آذار في الحكومة، يضع ادبيات هذه القوى ومواقفها وتوجهاتها بمثابة حكومة ظل لا يمكن في اي شكل من الاشكال الرئيس المكلف ان يتجاهلها في مسار حكومته. بمعنى ان يمنع استحضار آليات الانتقام أو الثأر السياسي من داخل الحكم ضد هذه القوى، حرصا بالدرجة الاولى على حكومة ستكون اولى مهماتها اثبات شرعيتها ومشروعيتها وامتلاكها جديدا تطل به على المشهد المأزوم، فضلا عن تحسبها لمعارضة لا تزال تمتلك 60 نائبا. كما ان "تفويض" الرئيس الحريري لشريكيه المسيحيين في الحوار يمكن اعتباره رداً سياسياً محكماً وسريعاً على الذين راهنوا على انفراط عقد الغالبية السابقة كفريق تحت وطأة الاسقاط القسري للحريري في سدة الرئاسة الثانية وتجاوزاً لعقدة "الخيانات" وملابسات سقوط الوساطات العربية والاقليمية.

في المقابل، لا بد من رصد دقيق لتعامل قوى 8 آذار مع هذا الحوار. وما اذا كانت تجاوزت نشوة السكرة بالمكسب السياسي الآني الى ادراك ضخامة الاستحقاق الذي ترتبه عليها مسؤولية تحولها غالبية حاكمة. فحتى الان يصعب واقعياً الحكم على نظرة هذا الفريق وبواطنه حيال الحوار الطالع.

والمرحلة الفاصلة بين تكليف الرئيس ميقاتي وشروعه في الحوار مع الكتائب و"القوات اللبنانية" لم تكن منبئة بتحول حقيقي في المفاهيم والمعايير التي تلزم هذا الفريق ان يظهر على الرأي العام بالقدر المطلوب من المسؤولية عن جميع اللبنانيين، اذ ترك المشهد الاعلامي خصوصا لصقور المزايدين والضاربين بسيوف سلاطينهم فيما قلّ على نحو لافت حضور "الوازنين" الذين يعتد بموقفهم الحاسم. لكن الحدث العربي المتفجر في الزلزال المصري خصوصاً، بدأ يترك نوعاً من الايحاءات بتهيب للمضي في سياسات آحادية يتعين على قوى 8 آذار اثبات قدرتها على مبارحة انماط توسل القوة والقسر السياسي وهو ما يفترض ان يرصد في تعامل هذه القوى مع فرصة الحوار بين الرئيس المكلف والكتائب و"القوات" على قاعدة مزدوجة: اعطاء الفرصة مداها الكامل دون ضغط على ميقاتي بجدول شروط موروث من الحقبة السابقة، وعدم تثقيل حكومته بتعجيزات آحادية في حال عدم توصله الى اتفاق مع 14 آذار. والايام القليلة الآتية ستكون كفيلة بتظهير هذا الاختبار.

المصدر:
النهار

خبر عاجل