#dfp #adsense

الشرق الأوسط الإيراني: ربيع الشعوب العربية في خطر!

حجم الخط

ما هو حادث في العالم العربيّ اليوم، من تونس إلى مصر والبقية تنتظر، يمكن تشبيهه، وسط محاذير كثيرة، بربيع الشعوب الأوروبية الغربية والوسطى لعام 1848، والذي امتد من فرنسا حتى المجر، أكثر مما يمكن تشبيهه بربيع الشعوب الرازحة تحت التوتاليتارية الشيوعية عام 1989.

لماذا؟ لأنّ ثورات 1848 التي توصف عن حق بـ"الرومانسية" كانت ثورات نشبت في غير مكان من القارة العجوز منادية بمطالب ديموقراطية صرف، إنّما دون أن تستند إلى فكر جذري خاص بها كما كان هو الحال مع الثورة الفرنسية عام 1789 أو لاحقاً مع الثورة الروسية، وكان مشهد 1848 مشابهاً إلى حد كبير لما نراه حالياً في تونس ومصر من حالة انتفاضية ديموقراطية لم تأت من بعد توطئة فكرية أو ثقافية خاصة بها، بل على العكس من ذلك، أتت من فرط الافتقاد إلى مثل هذه التوطئة، أي انها حالة انتفاضية فاقدة سواء بسواء للانتلجنسيا الصانعة للفكر الخاص بها، كما للقيادات السياسية التي يمكن أن تؤطر الجموع وتبلغ بها المرام الديموقراطيّ المنشود.

وإذا كانت معادلة لينين "لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية" قد حكمت كل القرن العشرين، فإنّه من الواضح تماماً أنّ ما من مقاربة لا نظرية ولا برنامجية لهذا الربيع الديموقراطي الآخذ في التبرعم والتبرعم حتى الآن، بل هناك مقاربات نظرية مزيّفة وبرنامجية مزيّفة، فاقدة الصلاحية وأكثر تكلساً من ذاك الحكم المؤبّد الذي تريد تبديله.

أما وجه الشبه الثاني فهو أن ثورات 1848 حرّكها مطلب "الاقتراع العام" وشهدت على هذا الأساس، لا سيّما في فرنسا، تضاداً واضحاً بين البرلمانية الليبرالية كما دافع عنها فرنسوا غيزو حتى آخر رمق، وبين الشعبوية الديموقراطية كما عبّر عنها الشارع المنتفض على الحكم الملكيّ الدستوريّ. وقد أدى هذا الطلاق بين الليبرالية البرلمانية المعنية أساساً بالفصل بين السلطات للحدّ من كلّ منها، وبين الشعبوية الديموقراطية المعنية وقتها بتوسيع أفق المشاركة الشعبية، إلى تفشيل كل من الليبرالية والديموقراطية، بوصول لويس بونابرت إلى سدّة رئاسة الجمهورية الثانية عام 1848، ثم بإلغائه للجمهورية عام 1851 وإعلانه الإمبراطورية الثانية التي قادت الشعب الفرنسي في آخر المطاف إلى الهزيمة المنكرة في سيدان عام 1870 وإلى دخول جيوش بيسمارك حتى باريس.

وفي حال الربيع الديموقراطي العربيّ الحاليّ فإنّ الطلاق البيّن بين عناصر الوعي الليبراليّ وبين روحية المطالب الديموقراطية هو أمر لا يمكن التفاؤل حياله، إلا إذا كان المطلوب ليس الاحتكام إلى قاعدة التداول على السلطة وإنّما إحياء البونابرتية العربية التي عمرها من عمر الانقلابات العسكرية التي أعقبت الهزيمة القومية في حرب فلسطين عام 1848.

ولا يقلّ أهمية وجه الشبه الثالث وهو أنّ ثورات 1848 الأوروبية كانت المهد لبروز تيارين مختلفين. التيار التقدّمي العام المعبّر عنه لاحقاً في الحركة الاشتراكية الديموقراطية، خصوصاً بعد ابتعادها أكثر فأكثر عن ثقافة تمجيد العنف، وهو ما كان لفريدريك أنجلز العجوز وكارل كاوتسكي ثم ادوار برنشتاين دور حاسم في المضيّ إليه، كلّ على طريقته وفي سياقه. ويقابل التيار الذي نمت في أحشائه الفكرة التوتاليتارية، والذي قام على تمجيد العنف، إلى أن أفضى لاحقاً إلى كل من البلشفية والفاشية. بهذا المعنى كانت ثورات 1848 محطة توليد لتيارين متناقضين تماماً، وإن التبس ذلك لبضعة عقود. هناك تيار يرى إلى التقدّم من حيث هو ابتعاد المجتمع أكثر فأكثر عن دوامة العنف، وعن الحاجة إلى بذل أضاحٍ بشرية عند كل مناسبة. ويقابله تيار يرى إلى العنف من حيث هو أداة تعجيل التاريخ أو الخلاص (وهو ما تجلى أساساً في البلشفية) أو إلى العنف من حيث هو أداة لتطهير الذات وارتقائها (وهو ما تجلّى أساساً في الفاشية).

وهكذا هي الحال اليوم. هذا الربيع الديموقراطيّ العربيّ يبرز منذ الآن نزعتين. نزعة تقدّمية هشّة لا يمكن تقويتها إلا بتكريسها في قالب ديموقراطي اجتماعيّ ليبراليّ قوامه ثلاثية الخبز والسلام والحرية، ويريد إبعاد كل مجتمع من مجتمعاتنا العربية عن الاحتكام إلى العنف أو إلى ثقافته. ونزعة ممجّدة للعنف، انطلاقاً من تمجيد "عنف الجماهير"، أو المرادفة بين هذا الأخير، وبين "المقاومات المسلّحة". وهذا هو سبب لقلق كثير. ولو عدنا إلى أحد أكبر مؤرخي الحركات التوتاليتارية، جورج موسيه، لرأينا أن هذه الحركات لم تكن لتتأمن اندفاعتها لولا عامل حيوي مهم، هو عامل "ازدياد خشونة الجماهير"، وهو ما كانت ثورات 1848 الأوروبية مهداً له.

أما الوجه الرابع للشبه فهو تدخّل الاستبداد الآسيوي على الخطّ لحرف الربيع الديموقراطيّ، ولحذف فكرة الحريّة. عام 1848، كان لروسيا بقيادة القيصر نقولا الأول الدور الأساس في قيادة حلف مقدّس لقمع ربيع الشعوب ولحذف الحريّة. واليوم، في حال العالم العربيّ، تأتي إيران، وخصوصاً من خلال إفصاحها عن نواياها في قيام "شرق أوسط إسلاميّ"، أي إحياء ملك كسرى بشروط ولاية الفقيه، من بحر قزوين حتى البحر المتوسط.

إنّ الاستبداد الآسيويّ ممثلاً بولاية الفقيه الإيرانية يتربّص اليوم بالربيع الديموقراطيّ العربيّ، ويتكئ على عناصر التناقض في هذا الربيع، أي على كل ما هو غير ليبراليّ داخله، وكل ما هو ضعف ثقافي وسياسيّ، وكل ما هو زيادة خشونة في الجماهير، بالإضافة طبعاً إلى الاستفادة من الأخطاء الجسيمة للأنظمة التسلّطية.
من هنا، إنّ ربيع الشعوب العربية هو منذ الآن في خطر، والخطر يأتي ليس من الأنظمة التسلّطية الفاقدة للحيوية، وإنما من النظام الإيرانيّ، الحيويّ، إنما الحيويّ من منطلق إمبراطوريّ، هو الضدّ لنهضة العرب، ومن منطلق غيبيّ، هو الضدّ للفكرة الديموقراطيّة، ومن منطلقات ثقافية معادية للأنوار ولليبرالية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل