مما لا شك فيه ان الذين استلّوا سكاكينهم في العام 2005 لطعن انتفاضة 14 آذار بنيّة التخلّص من أشرف حركة شعبية عرفها لبنان في تاريخه القديم والحديث، استطاعوا مع بداية العام السابع على قيام هذه الثورة البيضاء، من اثخانها بجروح عميقة نازفة، لكنهم لم يقدروا على قتلها، لأن 14 آذار روح ومبادىء وثوابت ومسلّمات ونهج عيش وحكم، يقوم جميعها على التمسك بالحرية والديموقراطية والسيادة والسلام والاستقرار والوحدة الوطنية، بعيداً من اساليب القهر والضغط والقوة والترهيب واستخدام السلاح في وجه الكلمة والموقف، واذا كان بعض الناس والقيادات في 14 آذار قد سقطوا في بداية الطريق او منتصفها، فهذا واقع بشري معروف ومفهوم حتى ولو كان مستهجناً، واذا كان البعض ارتكب الاخطاء التي سمحت للخصوم الافادة منها في محاولاتهم الدؤوبة للقضاء على حركة 14 آذار الانقاذية، فأن نيّة هؤلاء الطيبة تشفع بهم، لأن حرصهم على السلم الاهلي وعلى العيش المشترك وعلى مصلحة الوطن والدولة، هو الذي دفعهم الى ارتكاب الاخطاء التنازلية التي لم يعطها حقّها الفريق الآخر، واستفاد منها لتعزيز رصيده في السعي الدائم لوضع يده على الحكم والسلطة والدولة.
****
هذه المقدمة، ليست كلمة رثاء لمناسبة موت هذه الانتفاضة الرائدة، بعدما فقدت اكثريتها النيابية، بل هي كلمة حق في تكتل نيابي وشعبي، اثبت قوته وصموده ومتانة أهدافه على الرغم من ست سنوات من التآمر عليه، وبمختلف أنواع الاسلحة، المشروع منها، وهو نادر، وغير المشروع وهو الطاغي، وليس سهلاً على هذا التكتل، بعد كل ما عاناه من ضغوطات داخلية وخارجية، ومن حروب واحداث امنية، واغتيالات، وتعطيل للحياة السياسية والاقتصادية والنيابية والدستورية، ان يبقى يملك قوة نيابية هي اقل بقليل من نصف عدد نواب المجلس النيابي، بالاضافة الى قوّة شعبية راسخة اثبتت وجودها وحضورها وتأثيرها في العديد من المناسبات والمهرجانات، ولا يمكن لاحد أن يتجاهلها، أو يمسك وحيداً بالسلطة بمعزل عنها، مهما كان يملك من وسائل القوّة، فهذا التيار السيادي، قادر على ما أظهرته سنوات النضال الماضية بما يملك من مخزون كبير للارادة الصلبة، على اعادة شحن خلاياه الضعيفة او المترهلة، بطاقات جديدة من البذل والعطاء، خصوصاً اذا جُرّب مرة ثانية في ساحة الحرية، وطلب منه ان يملأ المساحات والاجواء بهتافات السيادة والحرية والحقيقة، ويشرّع صدره للتحديات دفاعاً عن الحق والكرامة، وما شهده العالم امس من تظاهر مليوني لشعب مصر، اعاده بالذاكرة الى مشهد ساحة الحرية في بيروت يوم 14 آذار 2005، فالغضب ذاته، والتصميم ذاته، والشعارات ذاتها، ونظام القمع ذاته.
****
كل الدلائل تشير الى أن تكتل 14 آذار في طريقه ليملأ الصفوف الخلفية في مجلس النواب، متابعاً ومراقباً ومحاسباً ومشرّعاً متسلّحاً بخلفية اخلاقية، وبفائض قوة من الوطنية، وبهاجس دائم كيف يمكن المحافظة على ديموقراطية هذا البلد وسلامته وحرياته العامة، بعيداً من ضغوطات التنازلات التي وقع بعض قيادات 14 اذار في شراكها، ودفعوا ثمناً غالياً بسببها، ودفّعوا جمهورهم ثمناً مماثلاً.
حالة المعارضة هذه، وهي ليست غريبة عن عدد كبير من قادة 14 آذار، ستكون بالتأكيد مطهراً سياسياً لهذا التكتل العريض، يجدد فيه نذوره التي قطعها لجمهوره في ذلك اليوم العظيم، واخلّ في بعضها، وسقط في بعضها الآخر، ومع ذلك غفر الجمهور وسامح وعاتب ولم يعاقب وبقي مؤيداً وداعماً من يحمل طموحات هذا الجمهور واهدافه واحلامه، وهذا الموقف يعتبر مفخرة من مفاخر الجمهور الآذاري «الصامد الصابر» والذي سيكون له الدور الاساس في اي استحقاق دستوري وطني مقبل، ليعيد الامور الى نصابها والحق الى اصحابه.
في كل زمان ومكان، وفي اي نظام سياسي، هناك فساد، وهناك اكلة الجبنة، واذا فتحنا دفاتر الفساد وأكلة الجبنة منذ العام 1990 وحتى العام 2005، نرى في صفحات الأكثرية الحالية، أكثرية مشابهة في الاسماء والارقام، من الظلم مقارنتها بما تظهره صفحات الاقلية الحالية، وهذا من شأنه اعطاء الاقلية صدقية اوثق ورصيدا اكبر، في الرد على اتهامات الفساد التي يتاجر بها البعض في الاكثرية المركّبة، من كل واد عصا، ويتوسّلها لكسب صعب في شارع بدأ يستوعب لعبة الثلاث اوراق، لذلك، ومن منطلق اخذ العبر مما سبق، وتأسيساً على الحذر من الخيانة والطعن في الظهر، ومعرفة الاصلي من المقلّد، سيكون لقوى 14 اذار جولة جديدة في الدفاع عن ديمومة لبنان، ستكون منتصرة حتماً، بشرط عدم الوقوع في خطيئة الانا.