من كلّف يعرقل.. وشهوة الاستيزار تطيح الوسطية
التشكيل على قاعدة.. "ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له"
في ما أوردته صحيفة "الحياة" نقلاً عن مصادر سياسية مواكبة لاتصالات رئيس الحكومة المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي حول المطالب الكثيرة للكتل النيابية المؤلفة من الأكثرية الجديدة، بشقيها الاصلي والمستلحق، عِبرٌ كثيرة في الطريق إلى استكشاف معالم المرحلة المقبلة، سواء شاركت قوى 14 آذار في الحكومة العتيدة أو حسمت أمرها بالمقاطعة.
شبق السلطة
وفي رأي متابعين لتصريحات بعض وجوه "المعارضة السابقة" التي تعكس "نهماً" للسلطة وتحمل ذهنية إلغائية "تتوق" للفتك بالآخرين، فإن الإيجابية الأبرز لمشاركة قوى 14 آذار في الحكومة، ستكون في تمكين الرئيس ميقاتي من الحكم بما يتجاوز منطق المحاصصة والعقلية الانتقامية والاشتراطات والفيتوات والوصاية السياسية واللعب بالمفاهيم والأعراف.
ففي وقت لم تتعد مطالب "كتلة المستقبل"، مثلاً، جملة من الثوابت السياسية والوطنية والأخلاقية، تتعلق بالعناوين المتعلقة بالالتزام بالمحكمة الدولية والالتزام بخطة زمنية لجمع السلاح الموجه الى صدور الناس ما عدا سلاح المقاومة واعتماد جدول زمني لنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، بدا أن الرئيس المكلف يواجه عدداً من العقد أمام تشكيل حكومته، منها: إصرار النائب ميشال عون على حصر التمثيل المسيحي به، وأن يكون له رأي في توزير أي شخصية مسيحية، وألا يكون هناك حصة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، وأن "حزب الله" يطرح إضافة الى تمثيله هو بحصته من الوزراء الشيعة تمثيل عدد من حلفائه وحلفاء دمشق السنّة في الحكومة، وأن هناك هجمة على الحقائب السيادية، لا سيما من النائب عون ومن الرئيس نبيه بري وإصرارهما على فكرة تعديل في توزيع هذه الحقائب على الطوائف.
لماذا المعارضة؟
ومثلما لم يفاجأ أحد بعملية "التخلص" من سعد الحريري، التي قادها الطرفان المعروفان، المحلي والإقليمي، المتضرران من وجوده على رأس الحكومة، وسوّقا فعلتهما على أنها "طبخة" إقليمية دولية، ليس ثمة من يفاجئه سلوك الفريق الآخر لناحية "شبق الاستيزار" الذي يخفي وراءه "وصاية" على الرئيس المكلف، وتضييقاً لهامش تحركه، وتطاولاً على صلاحياته وموقعه، وكل ذلك بسبب ما يعتبرونه "نقصاً" في المشروعية السياسية لميقاتي، والتي جرى تجاوزها بأصوات الأكثرية الجديدة المأخوذة بالخيانة.
لكن كل ذلك يحيل إلى ضرورة التذكير ببعض المسلمات التي يجب مقاربة المرحلة على ضوئها، وهي:
أولا: إن دعاوى "الوسطية" والتوافق" و"الانقاذ" التي أطلقها الرئيس ميقاتي بُعيد تسميته من قوى 8 آذار ولواحقها، ليست كافية لتجاوز الشوائب الكثيرة التي ترافق ما يجري، فلا هو والحال هذه توافقي ولا انقاذي ولا وسطي، بالرغم من الجهد الواضح لاثبات العكس، ومردّ ذلك إلى عدم امتلاك الرئيس ميقاتي قوة "تمثيلية" يستطيع من خلالها التوصّل إلى حلول وسط مع الفرقاء السياسيين تحفظ مصالح سائر الأطراف، ومصالح الوطن والدول.
ثانيا: إن الحكومة التي يبشّر بها العماد عون، هي حكومة غَلَبةٍ المقصود منها الإساءة إلى الحريات والأمن والمصالح الوطنية، أو بمعنى أدق بحكومة تعيد الوصاية والاستتباع والإخضاع.
ثالثاً: أن الغصب والقوة والتهويل هو ما يعتمد في تشكيل الحكومة، ولا أحد يعرف إلى أين ستقود البلاد ربطاً بالشعارات والتهديدات والبرامج المعلنة لفريق 8 آذار.
رابعاً: أن ما هو مطروح، بحسب ما تعكسه لباقات المتحدثين نيابة عن الرئيس المكلف، ليس حكومة تعيد رأب الصدع الوطني، وتعمل على نسج توافقات وحلول ومخارج، بل توليفة تحمل عقلية الإلغاء والاستئثار والفئوية والكيدية، وهو ما يبشّر بتعقيد الأزمة، لأن ثمة شعوراً يتعاظم لدى غالبية اللبنانيين بالخديعة والخيانة والتهميش، عندما عجز السلاح عن تحقيق مكاسب في السياسة، وهو ما أكدته الانتخابات الأخيرة والبرامج التي على أساسها وصلت الغالبية.
خامساً: لكل ما سبق تبدو المعارضة. المعارضة بالقول والموقف وبكل الوسائل المتاحة والمشروعة لأحرار لبنان، أقل كلفة بكثير من الأكلاف العالية التي تنتظر البلاد من وراء هكذا حكومة.
سادساً: أن المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى هو وعي خطورة أي استدراج إلى الشارع، أو الانقلاب على فكرة الدولة التي التفّ حولها جمهور اللبنانيين منذ العام 2005، بسبب التهويلات والضغوطات والخيانات، بل المطلوب هو الإيمان بأن الدولة دولتنا ونحن أهلها وبُناتها ومهما عملت قوى الأمر الواقع على هدمها أو الاستيلاء عليها، لا ينبغى الكفر بها.
لكل ذلك، إن "جنّة المعارضة"، في زمن المتغيرات الإقليمية المتسارعة، أجدى من القبول بالتسويات وأنصاف الحلول وانتفاء الشرعية، خصوصاً من أهل الشرعية والدولة والميثاق.