عندما يتحدّث النائب وليد جنبلاط عن انعطافته التاريخيّة يظنّ أنّ معنى مصطلحه الأحبّ في هذه المرحلة هو التكويع، والانعطاف في اللغةالانحناء والإمالة، والرجل وعلى عتبة نهاية مسيرته السياسيّة أفضى حاله إلى معطوف لا عاطف، والأسوأ من كلّ ذلك أنه فقد المعطف الذي يستر خلفه انحناءاته أو ـ كما يُسمّيها ـ انعطافاته، وأقصى ما يتمناه اللبنانيّون أن لا يتنبّه وليد جنبلاط أنّ منعطفه خطر جداً!!
في لحظات التخلّي أو لحظات استعادة الغشاوة النضاليّة يصدقنا وليد جنبلاط الكلام ، فهو عندما يقول: فليعذرني الرئيس الحريري،ما من أحد يدوم فإنّه يسُرّنا أن نسمع منه مثل هذا الكلام، فقد سبق وقال سواه في الأعوام الماضية كثيراً، وهو دائماً محتاج إلى أن يجد له الآخرون العُذر لانعطافاته، وكمواطنة لبنانيّة لا أحسد الدولة السوريّة ولا حزب الله على حليفهما فقد تخفّفت 14 آذار من تقّالات خطاباته المنفلته من أيّ عقل وعقال.. والآن لا نعرف كم سيصدّقه جمهوره عندما يتغنّى بالمقاومة ويُحدّثه عن خوفه من سلاحها كان سبباً رئيسياً في انعطافته ، وأيّ أمان هذا الذي يعد به أبناء طائفته في ظلّ قيادته الخائفة بل المرعوبة، وإلى أيّ مدى هو قادر على إقناعهم بأن يخافوا ليبرّر لهم خوفه؟!
يقول وليد جنبلاط لـصحيفة الوطن القطرية:إنّ أفضل شيء هو أن نتعلم دروس الجغرافيا السياسية،ويكاد أيّ لبناني يقلب على ظهره وهو يقرأ جنبلاط عندما يتحدّث عن التعلّم من الجغرافية والسياسيّة اللتين تتبدّلان عنده كما يبدّل جواربه، أو عندما يقرأ أن جنبلاط يتحدّث عن جبهة النضال فيقول:على الأقل تعلم أنك تسير في خطى ثابتة، العدد ليس مهماً ، المهم هو النوعية والثبات السياسي، صار البيك يتحدّث كما الموارنة ـ الذين اعتبرهم جنس عاطل قبيل الانتخابات ثمّ اضطر للاعتذار منهم في مؤتمر صحافي حتى لا يخسر أصوات مسيحيي 14 آذار ـ عن النوعيّة، ونكاد نغشى من الضحك إلى حدّ البكاء عندما يتحدّث جنبلاط عن الثبات السياسي، فتاريخه في الثبات السياسي موصوف ومعروف !!
أمّا أخطر ما قاله وليد جنبلاط في مقابلته هذه فهو كلامه عن المحكمة الدولية من أجل لبنان،إذ قال:هذه المحكمة تقول بصراحة إن طائفة معينة قتلت زعيم طائفة أخرى، ولكن نستطيع أن نخفّف تلك النتائج، وأن نعيش في شكل مقبول، ولتقل المحكمة ما تريد قوله لأن هذا ليس من شأننا، في الداخل علينا أن نعيش وأن نتجنب الحرب المذهبية !!
هذا الكلام فيه أولاً إقرار من وليد جنبلاط بأنّ طائفة معيّنة قتلت زعيم طائفة أخرى، وهذا الكلام لم يجرؤ حتى عُتاة المتمسّكين بالمحكمة الدوليّة والذين باتوا يميلون إلى الاقتناع بأن لحزب الله علاقة ما في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري،لأنّهم يرفضون اتهام الطائفة الشيعيّة بهذا ، فيما وضع جنبلاط نفسه وطائفته بين خيارين هما:إمّا الوقوف مع طائفة القاتل وإمّا الوقوف مع طائفة القتيل!! فهل يعي هذا الرّجل في لحظة ارتباكاته السياسيّة وهلوساته النضاليّة التي يحاول تعويم نفسه بها حجم ارتكاباته وإلى أين يقود أبناء الطائفة الدرزيّة الذين يصوّر لهم أنّ حمايتهم هي في الانحناء والامتثال لسلاح طائفة القاتل!!
ما صرّح به وليد جنبلاط شديد الخطورة، فقد قرّر وضع الطائفتين السُنيّة والشيعيّة على شفا حرب مذهبيّة، وقد خدع أبناء بني معروف عندما صوّر لهم أنه يأخذهم إلى الحياد، فيما هو يؤكّد كل ما وصفه بتسريبات للمحكمة ويتعاطى معها على أنّها تُهمة مقرّرة، مع أنّ اللبنانيين لم ولن يضعوا الطائفة الشيعيّة موضع اتهام حتى وإن كان لحزب الله يد في الاغتيال، فحزب الله فصيل عسكري إيراني يختبئ خلف هويّة لبنانيّة، وقد كانت الطائفة الشيعيّة أول من ذاق مع بداية الحرب الأهليّة طعم الاغتيال السياسي عندما اغتيل نقيب الصحافة اللبنانية الشهيد رياض طه، ثمّ عندما فقد لبنان إمام الحوار والعقل والتمسك بالهوية اللبنانية ورفض الولاء للخارج الإمام موسى الصدّر وفي توقيت إيراني شديد الريبة ، وعلى أرض معمّر القذّافي أكثر المتحمسين لثورة الخميني!!