الجمعة الرّابعة بعد الدّنح
الرسالة: 2 قور 3: 1-6
1 أنعودُ نبدأُ فنوصّيكم بأنفسنا، أم تُرانا نحتاج، كبعضِ النّاس، إلى رسائلِ توصيةٍ إليكم أو منكم؟
2 إنّ رسالتنا هيَ أنتم، وهي مكتوبةٌ في قلوبنا، يعرفها ويقرأها جميعُ النّاس.
3 أجل، لقدِ ٱتّضحَ أنّكم رسالةُ المسيح، الّتي خدمناها نحنُ، وهيَ مكتوبةٌ لا بالحبرِ بل بروحِ الله الحيّ، لا على ألواحٍ من حجر، بل على ألواحٍ من لحمٍ أي في قلوبكم.
4 تلكَ هيَ الثّقةُ الّتي لنا بالمسيحِ عندَ الله،
5 وهيَ أنّنا لا نقدرُ أن ندّعي شيئًا كأنّه منّا، بل إن قُدرتنا هيَ منَ الله،
6 فهو الّذي قدّرنا أن نكونَ خدّامًا للعهدِ الجديد، لا للحرفِ بل للرّوح، لأنّ الحرفَ يقتُلُ أمّا الرّوحُ فيُحيي.
شرح آيات الرّسالة:
1 2 قور 5/12؛ 10/12؛ 11/18؛ روم 1/17؛ 8/3؛ 1 قور 1/30؛ غل 3/13؛ فل 3/9؛ روم16/1؛ قول 4/10؛ 3 يو 9؛ رسل 18/27.
رسائل توصية: عادة مألوفة في الجماعة المسيحيّة الأولى (رسل 18/27؛ قول 4/10؛ 3 يو 9-10، 12). أخصام بولس يفاخرون بمثل تلك الرّسائل، تُظهر، لدى الكنائس المحلّيّة، ٱنتماءهم الرّسميّ إلى كنيسة معيَّنة. ولقد تبع بولس تلك العادة فوصّى بفِيبَة (روم 16/1)، وبمعاوِنَيه طيموتاوس (1 قور 16/10)، وطيطس (2 قور 8/24)، وبالعبد أُونسيم، في رسالته إلى فيلمون. أمّا بولس نفسه فهو في غنى عن مثل تلك الرّسائل، لأنّ الكنائس الّتي أَسّسها، وهي ثمرة الرّوح القدس، تبقى الضّمانة الكبرى لصحّة رسالته.
2 1 قور 9/2.
في قلوبنا: وفي مخطوطات "في قلوبكم". والإشارة إلى لوحَي الوصايا العشر واضحة (3/3).
يعرفها ويقرأها: اللّفظتان، في النّصّ اليونانيّ، من أصل لغويّ واحد، تكمّلان صورة الرّسالة الواضحة لجميع النّاس.
3 خر 24/12؛ 31/18؛ 34/1؛ تث 9/10-11؛ إر 31/33؛ حز 11/19؛ 36/26؛ مثل 3/3؛ 7/3.
رسالة المسيح: يشبّه الرّسول كنيسة قورنتس، الّتي أسّسها وخَدَمها، برسالة كتبها الله الآب بالمسيح، وبالرّوح القدس على يد بولس. وهٰذه الكتابة الجديدة تفوق بغير قياس كتابة الوصايا العشر نفسها على اللّوحَين في العهد القديم. يجدر أن نلاحظ الطّابع الثّالوثيّ في هٰذه الآية.
الله الحيّ: تعبير كتابيّ مميّز في العهدين القديم (مز 41/3؛ 2 مل 19/4، 16؛ طو 13/1؛ أس 6/13 في السّبعينيّة)، والجديد (1 تس 1/9؛ 2 قور 6/16).
ألواح من حجر: إشارة واضحة إلى لوحَي وصايا العهد القديم، كتبها الله في سيناء، على يد موسى الكليم (خر 24/12؛ 31/18؛ 34/28-29)؛ وتحقيق لعهد جديد وَعَد به الله في الأنبياء (إر 31/33؛ حز 11/19؛ 36/26)، فكتبه المسيح بروحه القدّوس في قلوب المؤمنين على يد بولس الرّسول.
4 2 قور 2/16؛ يو 3/27؛ 15/5.
لا نقدر: ٱستعمال هٰذه الكلمة، صفةً وموصوفًا وفعلًا، ثلاث مرّات متتالية، في الآيتين 5-6؛ تشديد على نعمة الله المجّانيّة، في دعوة بولس على طريق دمشق (1 قور 15/10). وفي الآيتين 5-6 جواب على السّؤال: "ومن هو أهل لذٰلك؟" (2/16).
5 خر 24/8؛ إر 31/31؛ 32/40؛ 1 قور 11/25؛ عب 8/8-13؛ أف 3/7؛ قول 1/23، 25؛ روم 2/29؛ 7/5-6؛ يو 6/63.
للعهد الجديد: تعبير نبويّ قديم (إر 31/31)، ٱستعملته الجماعة المسيحيّة الأولى، في علاقة وثيقة بموت الرّبّ يسوع، أساس العهد الجديد (لو 22/20؛ 1 قور 11/25؛ 2 قور 3/14؛ عب 8/8؛ 9/15؛ 12/24). يشدّد بولس على تفوُّق مجد خدمته الرّسوليّة لإنجيل يسوع، على مجد خدمة موسى للشّريعة القديمة (6-18)، ومن ثمّ على مجد خدمة أخصام بولس أنفسهم، الدّاعين إلى شريعة موسى. لا ينكر بولس على العهد القديم مجده الإلٰهيّ الحقّ، إنّمَا يشدّد على سموّ العهد الجديد: القديم مكتوب بمداد، على ألواح من حجر، حرف يقتل، وخدمة موت ودينونة، ذو مجد يُبطَل، يُقرأ مع بُرقع على وجه موسى؛ أمّا الجديد فمكتوب بروح قدس، على ألواح قلوب من لحم، روح يُحيي، وخدمة روح وبرّ، ذو مجد يدوم، يُقرأ بوجه مكشوف على وجه المسيح.
الحرف يقتل: الحرف هو العهد القديم، الشّريعة المكتوبة بحروف، وقد صارت، في زمن اليهود المعاصرين لبولس، حرفًا وكلامًا ووصايا ميتة، مقطوعة عن الحَدَث الحيّ الإلٰهيّ الّذي تعبّره أو تُنبئ به (3/14). أمّا الرّوح فهو العهد الجديد، حَدَثٌ فريد بِكْر، حَدَث يسوع المسيح الحيّ الرّوح المحيي، لا نَصٌّ جديد يكمّل النّصّ القديم. الحرف بدون الرّوح يقتل، والشّريعة بدون المسيح حرف يقتل (روم 2/29؛ 7/6).
الإنجيل: يو 7: 37-39
يسوع يُعطي الماءَ الحيّ
37 وفي آخر أيَّام العيد وأعظَمِها، وقَفَ يسوع وهتفَ قائلًا: "إنْ عَطِشَ أحدٌ فليأتِ إليَّ.
38 والمؤمنُ بي فليشرَبْ، كما قال الكتاب: مِن جوفِهِ تتدفَّق أنهارُ ماءٍ حيّ".
39 قال هٰذا عن الرّوح الّذي كان المؤمنون به مُزمعين أن يقبلوه. فالرّوح لم يكُن بعدُ قد أُعطيَ، لأنّ يسوع لم يكُن بعدُ قد مُجِّد.
شرح آيات الإنجيل:
37-39 إن عطش أحدٌ فليأت إليّ… من جوفه: قراءة ثانية "إن كان فيكم عطشان فليأتِ إليّ، وليشرب! المؤمن بي، وقد قالها الكتاب: من جوفه…". في القراءة الأولى تجري أنهار ماء الحياة من المسيح، أو من المؤمن. أمّا في القراءة الثّانية فتجري الأَنَّهُارمن المؤمن وحده. ويختار أكثر الشّرّاح القراءة الأولى: لأَنَّهُا تحافظ على سلامة التّركيب اللُّغويّ واللّاهوتيّ، إذ التّعبير "أتى إلى يسوع" يعني "آمن به"، فالعطشان يأتي إلى يسوع، يؤمن به، فيُروي يسوع عطشه؛ ولأنّ الآية 39 تشرح الآيتين 37 و38، فالماء الّذي يشربه المؤمن من يسوع (37-38) هو الرّوح القدس، الّذي يقبله المؤمن من يسوع الممجّد (39). يتنافى هٰذا الشّرح والقراءة الثّانية، حيث يجري الماء من المؤمن، ويتّفق والقراءة الأولى حيث يجري الماء من يسوع، ويصبّ في قلب المؤمن (أنظر رؤيا 22/1، 17).
37 أح 23/36؛ يو 4/10، 14؛ رؤ 21/6؛ 22/17؛ آش 12/3؛ 43/20؛ 44/3؛ 55/1-3؛ 58/11.
38 حز 47/1-12؛ يؤ 3/1؛ 4/18؛ زك 13/1؛ مثل 18/4؛ يو 19/34؛ 1 قور 10/4.
قال الكتاب: يصعب تحديد النّصّ الكتابيّ، الّذي يشير إليهِ الإنجيليّ في كلامه على عيد المظالّ. إنّ النّصوص الكتابيّة، الّتي تُقرأ في هٰذا العيد، تحتوي نصَّين: نصّ حزقيال (47/1-12)، حيث يرى النّبيّ مياهًا تجري من هيكل أورشليم، فتصير نهرًا يحوّل الأرض عَدْنًا جديدة؛ ونصّ زكريا (14/8)، حيث يرى النّبيّ مياهًا تخرج من أورشليم. ولا بدّ من ذكر موسى، وهو يفجّر المياه من صخرة فيروي شعب الله (خر 17/1-7؛ عد 20/1-13). وكلّ ذٰلك يرمز إلى المسيح (1 قور 10/3-4)، فالمسيح هو الهيكل، وهو الصّخرة. ويرى شرّاح أنّ عطيّة الماء (يو 7/37-38) تتبع عطيّة المنّ (يو 6/31)، كما هي الحال في سفر الخروج (16/1-13؛ 17/1-7).
40 يو 1/33؛ 16/7؛ 20/22؛ رسل 2/4.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ