هناك في العلياء اينما هم الشهداء، يتبادلون الأحاديث الروحية وليس السياسية، ومن هناك يتابعون هموم عائلاتهم وإرثهم السياسي المثقل بتركة يصعب حملها على الأكتاف الاّ للرجال الرجال…
عشية القبض على السلطة في لبنان، شعر كمال بيك برعشة غريبة دفعته للبحث عن قارئ طالع أو على الأقلّ على برّاج الاّ أنه لم يجد ضالته، في تلك الليلة جاءته رؤية، رجل سمع عنه الكثير يُدعى رفيق الحريري، تقدّم منه وقال له: "كمال بيك ألست أنت المعلّم؟". أجابه جنبلاط : "بلى! وألست أنت رفيق ولدي وليد؟". أجابه الحريري بإيماءة الرأس ودمعة كرجت بغزارة الحزن على خدّه الأيمن.. فسأله المعلّم: "وليد حدّثني كثيرا عنك، وأخبرني أنه لم يتقرّب من أحد في لبنان بقدر ما كان قريباً منك، ولم يترك وليد مناسبة الاّ وكنت أنت حديثها، وأزفّ لي أنه يكمل الدرب والمشوار مع ولدك سعد… كم أنا سعيد لأننا التقينا هنا معا وفلذتي أكبادنا يكملون المشوار، وكم فرحت عندما علمت أنّ ولدي استطاع نزع أغلال العبودية عن كاهله، ويتابع جنبلاط الشهيد بالقول: "ما بالك تصغي ولا تتكلّم؟
اقترب الحريري منه وطبع قبلة على جبينه وكانت الدمعة لا تزال على خدّه وكأنها تجمدّت ووقفت صامتة كما التمثال… ليردف برجفة وتمتمة شفتيه: "يا معلّم كم مضى عليك من دون الكلام مع وليد؟ واضح أنه مرّ وقت طويل".
تقدّم المعلّم خطوة الى الأمام وذهب بأفكاره الى البعيد البعيد… ثمّ قال:
"توقف زمني على الأرض يوم شاهدت وليد يركع أمام قبري وفي يده وردة يضعها على ضريحي ويعلن عن ندمه، ويطلب أن أسامحه كيف أنه مشى مع من قتلوني لسنوات"…
الحريري وبسرعة البرق حاول أن يلقي لحظة وداع عليه واستأذنه المغادرة، الاّ أنّ المعلّم صدّ له الطريق رافضا الانسحاب مصرّا على بقائه ومجالسته ومنادمته: "يا دولة الرئيس أرجوك أن تبقى وأرجوك أن تخبرني ماذا يجري بين المختارة وقريطم؟". فردّ الحريري بإصرار على المغادرة الاّ أنّ المعلّم استحلفه البقاء والاّ…
عاد المعلّم واستعاد دفّة الكلام قائلا: "واضح أنّ وليد عاد الى جحره… ليصحّح له الحريري: "بل الأصحّ عاد الى سجنه". "ولكن ما الذي بدلّ أحواله؟"، قال جنبلاط.
عندها راح الحريري يقصّ على المعلّم رحلة الألف ميل التي توّجت بلقاء بريستول (1) وصولا حتى اللحظات الأخيرة قبل الانفجار ظهيرة 14 شباط 2005، وكيف أنّ وليد استقبل البطريرك صفير وأرسى معالم مصالحة الجبل … ولكنّ كان واضحاً يا بيك أنّ السيوف كانت أصدق إنباء من الكتب…
نعم وليد خاف وسقط في منتصف الطريق وعاد أدراجه الى زمن الحركة الوطنية وجبهة النضال… وليد يا كمال بيك… عاد الى سوريا…
سوريا؟ هي نفسها سوريا التي اجتاحت لبنان؟ هي نفسها سوريا التي سمّى وليد ضباطها الذين اغتالوني؟".
عندها قال المعلّم: "لهذه الأسباب يقاطعني وليد .. هو يخجل من مواجهتي"…
وتابع سائلاً: "واليوم ماذا يجري في لبنان؟"، فقال له الرئيس الحريري: "دعنا نلتقي بعد 14 شباط وعندها لكلّ حادث … حديث".