"سخرتَ بأنّاتِ شعبٍ ضعيفٍ وكفُّك مخضوبةٌ من دماه
فسرتَ تشوّه سحر الوجود وتبذر شوك الأسى في رباه"
أبو القاسم الشابي
براءة الثورة
في بعض أشكال الثورة الكثير من البراءة، حين يعتقد المشاركون بها بأن كل المشكلات سوف يتم حلها بمجرد انتصار الثورة، فيدخل الناس مباشرة الى المدينة الفاضلة، وتزول آثار الماضي الأليم، ويصبح المستقبل كله أملاً، ويسود العدل والأمن والاستقرار.
هذه الأفكار تلخص ما يسمى بـ"الطفولة الثورية"، حين يغفل المشاركون بالثورة عن الواقع لتنقلب الأمور كوارث متلاحقة في اليوم الثاني لانتصار الثورة. لذلك، كثيراً ما كان زعماء الثورات يستدركون الوقائع من خلال حملات تطهير وقمع غالباً ما تكون شديدة الدموية لتفادي إمكانية ما يسمى "الثورة المضادة".
"ثورة الأرز" أو "انتفاضة الاستقلال"، هي أحد الأمثلة الصارخة للطفولة الثورية، فكلنا ظننّا يومها أن اليوم التالي للرابع عشر من آذار سيكون اليوم الذي يعم فيه السلام المنتظر عقوداً، بعد أن تحلّ المواطنية مكان الطائفية، وحكم المؤسسات بدل دولة المزارع، ونظافة الكف بدل الفساد. كانت جملة من الأحلام الوردية، الى أن استفقنا جميعاً على واقع مرعب هو سلسلة الاغتيالات والتفجيرات الدموية التي طالت قيادات انتفاضة الاستقلال ومعهم العشرات من المدنيين، ودمرت الكثير من أرزاقهم.
لقد أدرك أتباع النظام الأمني مسبقاً، بأن ثورة اللبنانيين كانت ستحدث يوماً، لذلك فقد كانت عدة الشغل جاهزة للردع وردّ عقارب الساعة الى الوراء، فكانت حملة الإرهاب والاغتيالات الدموية والمترافقة مع التعطيل الدائم للمؤسسات من خلال المشاركة السلبية في الحكم والاستقالة من الحكومة واحتلال الوسط التجاري. كلها كانت موجّهة ومحضّرة لردع اللبنانيين عن سعيهم الى السيادة والحرية والاستقلال، وإقناعهم بأن الأسلم لهم هو بالعودة الى العهد السابق، عهد الوصاية كسبيل للاستقرار ولكن دون حرية ودون سيادة وطبعاً دون استقلال.
وبعد أن جرِّبت كل وسائل الترهيب وزرع الفوضى والفتن ومنها قصة "فتح الإسلام" الشهيرة، ولم تنفع، كان من الواجب اللجوء الى المواجهة المباشرة من خلال ما قام به "حزب الله" في السابع من أيار من اعتداءات أكدت على أن سلاحه هو جزء من حملة الترهيب في وجه اللبنانيين.
الانقلاب الدستوري نتيجة للسابع من أيار
لقد فرض يوم السابع من أيار معادلات جديدة على الحكم في لبنان، تمثل في "اتفاق الدوحة" الذي أعطى حق التعطيل للأقلية النيابية، بحيث يمكنها من إسقاط الحكومات التي لا تتوافق مع سياساتها. يعني أن هذا التدبير فرض سلطة الأقلية على الحكم في إجراء مخالف لكل الأعراف الديموقراطية، وذلك عن طريق الإكراه بقوة السلاح الذي ظهر واعتدى على المواطنين في السابع من أيار.
على الرغم من أن قوى الرابع عشر من آذار كانت قد أكدت أكثريتها مجدداً في انتخابات 2009 تحت شعارات واضحة معادية للسلاح غير الشرعي، فقد أجبرت مجدداً تحت وطأة ذكرى السابع من أيار للقبول بنفس المعادلة الغريبة في الحكم وأعطت الثلث المعطل (المموّه) لـ"حزب الله".
وفي ظل هذا الواقع استمر مسلسل تعطيل الحكم وتعطيل الأكثرية النيابية الى أن أتت ساعة استحقاق المحكمة الدولية، فاخترعت قضية شهود الزور كشعار للتعطيل المستمر.
بالمحصلة، فقد وصلت القضية الى استقالة الوزراء مع الوزير "الوديعة"، مما أسقط الحكومة، ومن بعدها انقلاب الأكثرية النيابية بالطريقة التي عرفناها ولكن دائماً تحت وطأة التهديد بإعادة سيناريو السابع من أيار.
من نافل القول، انه بالمعطيات الديموقراطية العادية، فإن الرئيس المكلف لا يملك الحيثية النيابية الكافية لتسميته رئيساً للوزراء، إلا إذا تم استدعاؤه بالطريقة التي حدثت من قبل أمين "حزب الله". وهذا الاستدعاء لم يكن ليتم إلا لأن الحكومة استقالت، وهذه الحكومة لم تكن لتستقيل إلا لوجود الثلث المعطل بيد "حزب الله"، وهذا الثلث المعطل لم يكن ممكناً لولا "اتفاق الدوحة"، و"اتفاق الدوحة" لم يكن ليكون لولا اعتداء السابع من أيار، وأن الأكثرية لم تتحول الى قوى الثامن من آذار لولا الخوف من السابع من أيار.
كل ذلك يعني أن مجيء الرئيس نجيب ميقاتي الى رئاسة الحكومة، ما هو إلا نتيجة للسابع من أيار، مما يعني ان الإنقلاب الدستوري لم يكن ليحدث لولا الذكريات الدموية لمسلسل الإرهاب من اغتيالات الى تفجيرات الى "فتح الإسلام" الى السابع من أيار.