ليس مستغرباً ان يدعو رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الى تشكيل حكومة توافقية، تكون قادرة على خلق مناخات من الثقة بين اللبنانيين، بما يساعد على استكمال بناء عمل المؤسسات التي بدأ بها العهد منذ قيامه، وفي الوقت ذاته تستطيع ان تتصّدى للمشاكل الخلافية بكثير من الجرأة والموضوعية على قاعدة الالتزام بمصالح الدولة والناس وبتحمّل المسؤولية التي يفرضها الدخول الى الحكم، لان الرئيس سليمان اولاً واخيراً، رئيس توافقي بالاختيار وبالسلوك الشخصي، والموقف التوافقي هذا، القائم على حرص منه على السلم الاهلي وصيغة العيش المشترك، تجرّب في اكثر من ظرف ومناسبة، على الرغم من رضى البعض وزعل البعض الآخر، وموقفه من رفض الحكومة الاولى التي شكلها رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، ما زال في ذاكرة الناس، بعدما اعتبر يومها انها لا تعكس الصورة التوافقية بمعناها الصحيح، ومن الطبيعي ان يلتزم بالموقف ذاته اذا وجد ان التشكيلة الحكومية المقبلة لا تتمتع بالصفة التي تريح البلد واكثرية الشعب اللبناني.
من ناحية ثانية، ليست مستغرباً البتة مواقف النائب ميشال عون التي اطلقها منذ ايام حول سياسة الحكومة الجديدة، وشكلها والمشاركين فيها والمهام الملقاة على عاتقها، والتي كانت تتناقض مع نصوص الدستور والاعراف ومصلحة الوطن في الظروف القائمة، ولو انه ابدى وجهة نظره هذه بصفته الشخصية او بصفته رئيساً لتكتل نيابي معيّن، كان يمكن القول ان من حقّه ان يعبّر عما يريده بصراحة وحرية، ولكن ان يستولي على دور الرئيس المُكلف بتشكيل الحكومة، وعلى دور رئيس الجمهورية الذي له وحده الحق الدستوري في قبول التشكيلة او رفضها، فهذا مستهجن ان لم يكن مستغرباً ولكن هذا هو ميشال عون ينقض اليوم ما قاله بالامس، وينقض ظهراً ما تبّناه صباحاً، ومساء يطلع على اللبنانيين بموقف يختلف عمّا قاله صباحاً وظهراً، ولكل موقف متناقض يتخذه، له تبرير عنده، سواء اقتنع الناس به او لم يقتنعوا، وفي معظم الاوقات لا يقتنعوا، المهم عنده ان يخالف ليبقى في الواجهة.
***
ينسى العماد عون، او يتناسى اذا كان الامر في مصلحته، ان الانظمة الدكتاتورية، او الانظمة المحكومة من اجنبي، هي الانظمة التي يكون رؤساء حكوماتها دمى او طراطير، يتم تحريكهم عن بعد او قرب بواسطة الهاتف او الروموت كونترول، او ان يكونوا خيالات، ليس لهم في الحكم سوى الشكل، ولا اظن ان اي لبناني، يقبل بهذا الدور الذي يحاول العماد عون إلباسه اياه، عندما يصادر مسؤولياته وحقوقه وعلى عينك يا تاجر، لمجرّد انه يريد لعب دور الغالب في المسرحية التي انتزع من سعد الحريري دور البطولة بالقوة واعطي الى نجيب ميقاتي، خصوصاً ان العماد عون، ومرّة جديدة، يقاتل بزند غيره ويتغنى بشعر خالته، واذا كان يصدّق حقاً انه امتلك الاكثرية الشعبية بمجرد حصوله على الاكثرية النيابية، واصبح من حقه ان يكون زعيم الاكثرية ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فما عليه، تأكيداً لهذه الشرعية، سوى الذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة، تؤكد له هذا الحق وتعطيه صك الملكية، وعندها فقط، يحق له ان يقول لهذا الشخص كنّ، فيكون، ولذلك الشخص اختفِ، فيختفي، وخلاف ذلك يصحّ القول: رحم الله امروء عرف حدّه فوقف عنده.
***
ما يقوله البعض بان اختيار شخصية جديدة لتشكيل الحكومة المقبلة، غير سعد الحريري، قد انقذ لبنان من فتنة مدمرة، هو عين الصواب، ويعكس حقيقة واقع الحال، على الرغم من علامات الاستفهام الكبيرة التي رافقت هذا الاختيار القائم على القوة والضغط بعيداً من الميثاقية والديموقراطية وحرية الرأي والموقف، واذا كان تكتل 8 آذار قد اطاح بهذه الثوابت اللبنانية عندما اطاح بسعد الحريري، ورفض ان يتقيد بها، فان 14 آذار كان الاكثر وعياً ووطنية وحرصا على السلم الاهلي، وانحنى امام العاصفة ضناً بمصلحة الوطن والشعب، فغضب ليوم واحد وانسحب ليناضل سلمياً في سبيل المحافظة على الميثاق والدستور والطائف والعيش المشترك والديموقراطية والحريات العامة، ورفض كل سلاح خارج الشرعية والدولة، وسيسجّل التاريخ لفريق 14 آذار انه انقذ لبنان، عندما كان على مشارف الغرق.