حفلت الاسابيع الاخيرة منذ اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بالانقلاب الدستوري الذي تحقق بجملة من المفارقات بعضها يمت بصلة مباشرة الى الخصوصية اللبنانية في التعاطي مع الامور العامة والوطنية وبعضها يمس بمبادئ النظام الديمقراطي والبرلماني الذي يسود دستوريا وسياسيا الحراك الوطني في البلاد.
فأمام تعاظم وتسارع المواقف والمشاهد وانقلاب الصور والمواقع نرى تسجيل الاتي:
اولا: ثمة اشكالية طرحتها الاسابيع القليلة الماضية الى اليوم تتمثل في مفهوم التمثيل النيابي من وجهة نظر الدستور والسياسة في آن – لان النائب في البرلمان وبالاضافة الى وظيفته ودوره البرلماني يمارس ايضا وظيفة سياسية وطنية بامتياز انطلاقا من الثقة الشعبية التي اوصلته عبر صناديق الاقتراع الى الندوة البرلمانية.
في هذا الاطار نود تصحيح اللغط السياسي ذات الوجه الدستوري الحاصل في البلد حول مدى التزام النائب بتمثيل رأي ناخبيه – انطلاقا من الانعطافة السيساية الثانية للوزير وليد جنبلاط ووزراء حزبه اثناء الاستشارات النيابية الملزمة والتي ادت الى تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة – فوضعاً للامور في نصابها نقول انه وان كانت المادة (27) من الدستور تنص على عدم جواز ربط وكالة عضو مجلس النواب بقيد او شرط من قبل منتخبيه وهو مبدأ دستوري عالمي مستند الى نظرية سيادة الامة وتمثيل النائب للامة – الا ان هذا المبدأ لا يبيح في الديمقراطيات العريقة في اوروبا والولايات المتحدة الاميركية وسواها للنائب او ممثل الامة ان ينقلب على قناعات منتخبيه السياسية التي على اساسها صبت اصوات الناخبين لصالحه في الانتخابات واصولته بناء على قناعاته وبرنامجه السياسي والوطني الى الندوة ممثلا للمجموعة التي انتخبته لان التسليم بعكس ذلك يعني ايضا من الناحية الدستورية وفي العلم الدستوري احتيال النائب على من انتخبه من خلال الانقلاب على قناعات كتلة ناخبيه بمجرد وصوله الى الندوة باصواتهم، طبعا من دون الحديث عن الامانة الشخصية والسياسة للقاعدة الشعبية لهذا النائب او ذاك. فتحوير وتحريف ارادة الناخب لا تقل خطورة واهمية عن تقييد النائب دستوريا، لانه اذا كانت الثانية تهدف للحفاظ على دستورية العمل البرلماني وقدرة النائب الحرة على التحرك – فان الاولى تؤدي الى افقاد النائب الدستوري مشروعيته الشعبية – خصوصا في نظام طائفي كما النظام اللبناني الذي يجمع الدستوريين ورجال الفقه السياسي على كون النائب فيه بنهاية المطاف وبعيدا عن فكرة "تمثيل الامة" يمثل طائفته فمجموعة ناخبي منطقته ودائرته وهو بمثابة وكيل خدمات لهم لانه على هذا الاساس انتخب ليخدم الهيئة الشعبية الناخبة ويستجيب لتطلعاتها وافكارها وسياساتها.
وبالتالي، فإن خروج بعض النواب عن ارادة ناخبيهم افقدتهم المشروعية الشعبية ولو انهم تصرفوا على اساس الحق الدستوري الذي نصت عليه المادة (27) من الدستور بعدم تقييد ولايتهم بقيد اوشرط من ناخبيهم. فهذا النص وضع لعدم تقييد ارادة النائب دستوريا في ممارسة اختصاصاته من رقابة برلمانية وتشريع لكنها لا تبيح له التنازل عن ارادة الناخبين السياسية لان هذه الارادة هي التي تبقى في نهاية المطاف الحكم في تجديد ولاية النائب او اسقاطها عند الاستحقاق الانتخابي المقبل يوم المحاسبة الشعبية للنائب عن ولايته المنتهية.
ثانيا: اشكالية اخرى طرحتها عملية الانقلاب الدستوري على حكومة الرئيس سعد الحريري وتتمثل في الاطاحة بمبدأ الصفة التمثيلية للطائفة: والغريب في هذا الاطار ان رموز قوى " 8 اذار" وفي طليعتها العماد عون والرئيس بري هما اكثر من يتنكر اليوم لحق سعد الحريري في تمثيل طائفته السنية الكريمة، وهما من خاضا المعارك وما زالا على مدار السنوات الخمس الماضية لادعاء الاحقية الشعبية في تمثيل طوائفهم للوصول الى المناصب الرسمية التي يشغل احدها اليوم الرئيس نبيه بري – كرئيس لمجلس النواب.
وفي هذا الاطار نذكر – ولعلنا بالنسبة للجنرال عون لسنا بحاجة للتذكير لانه لا ينفك حتى الساعة يتكلم عن احقية في رئاسة الجمهورية عام 2005 يوم كان يمثل (70%) من المسيحيين – بأن الاخير كان لا يزال يأخذ على الاكثرية السابقة (المعارضة الحالية ) التنكر لحقه كممثل لاكثرية ابناء طائفته في تولي رئاسة الجمهورية – وكذلك الرئيس بري عندما اتم صفقة مع الاكثرية السابقة اي قوى "14 اذار" انطلق الجميع من اعتبار ان الرئيس نبيه بري هو من يمثل الاكثرية الشعبية لطائفته الشيعية الكريمة، وبالتالي كان لا بد من ان يتم اعادة انتخابه للرئاسة الثانية احتراما لصفته التمثيلية في وسطه الطائفي بخاصة ان "حزب الله" حليفه كان قد رشحه ايضا – يومها لم تعترض قوى "14 اذار" – وكانت الاكثرية – وكان لديها مرشحين من ابناء الطائفة الشيعية الكريمة ذات كفاءة وطاقة كبيرة وعطاءات وطنية شابة واعدة ومن صلب فكر وروح ثورة الارز. فاذا بهما وبحلفائهم في "8 اذار" و"حزب الله" يطلعون على الراي العام حاليا باطروحات واجتهادات تنقلب على منطق الامور ومنطق الصفة لا بل القوة التمثيلية للزعيم الاكثر تمثيلا للطائفة السنية الكريمة اي الرئيس سعد الحريري – ما يؤكد النية الانقلابية – خصوصا ان عملية حسابية بسيطة لا نظنها مستعصية على قوى "8 اذار" و"حزب الله" والجنرال – تظهر بوضوح ان الرئيس نجيب ميقاتي وان كانت له اكثرية شعبية في طرابلس والشمال نتيجة انتخابات 2009، فلأن احدى اسبابها كانت تحالفه مع "تيار المستقبل" – بينما الرئيس سعد الحريري عام 2009 كان انتخابه على مستوى كل لبنان من ضمن لوائح دعمها هو شعبيا على امتداد الاراضي اللبنانية كما في الشمال كذلك في الجنوب والبقاع وبيروت والجبل.
من هنا يكمن براينا اساس الحديث عن انقلاب على زعامة الرئيس سعد الحريري وقوته الشعبية التمثيلية – ومن هنا نظرتنا المرتابة الى ترشيح الرئيس نجيب ميقاتي – رغم احترامنا وتقديرنا لشخصه.
ثالثا: اما الاشكالية الاخرى فهي في التلاعب بمفهوم الديمقراطية في الحياة السياسة اللبنانية. فبعد الاطروحات والنظريات المبجلة "للديمقراطية التوافقية " التي كنا ولا نزال نعتبرها بدعة دستورية وطعنة للمفاهيم الدستورية للديمقراطية في المجتمعات المعاصرة – والتي اصمت اذاننا طوال السنوات الماضية كي يسترقوا في "8 اذار" سلطة او قدرة على التأثير السلبي على مسيرة ثوار الارز اصحاب الاكثرية الشرعية والدستورية والقانونية والمشروعة في السلطة والحكم – لو ارادوا الذهاب الى الاخر في ممارسة الديمقراطية من دون مسايرة لاحد – في بناء الدولة والعبور الى دولة سيدة وحرة ومستقلة – هاهم اليوم وبسحر ساحر يتنكرون لتلك البدعة – وقد اصبحوا هم الاكثرية بقوة الانقلاب والتحايل على الارادة الشعبية لجمهور "14 اذار" الوفي والبار.
ويطل علينا العماد عون منذ ايام ليعلن حرب "الغاء " سياسية جديدة على اساس ان من يريد ان ينضم للحكومة العتيدة عليه ان يكون من فكر وسياسة "8 اذار" – ما يعني تنازله ومن خلال حلفائه عن منطق الديمقراطية التوافقية الشهيرة – وانتقالهم بالتالي في "8 اذار" – وبناء على منطقهم الاقلي السابق – الى ضفة الطعن بالفقرة (ي) من مقدمة الدستور التي تؤكد ان لا شرعية لاي سلطة تناقض سلطة العيش المشترك – علما ان قوى "14 اذار" اقرت لهم تحت وطأة السلاح ببدعة الثلث المعطل يوم كان بإمكانها رفض المشاركة والذهاب الى حكومات من لون واحد.
فكل هذا التناقض في مواقف " 8 اذار" ان دل على شيء فعلى حقيقة واحدة اساسية: انهم ما كانوا يوما ليصلوا الى ما وصلوا اليه لولا تساهل وتنازلات الاكثرية النيابية السابقة اي قوى "14 اذار" – فكل امجاد قوى "8 اذار" لم تبن الا على عاملي السلاح والتحايل على النصوص والمفاهيم الدستورية – وها هم اليوم يكشفون عن حقيقة نواياهم برفض اعطاء "14 اذار" والذي هو حق لها كل ما سبق واعطي لهم من دون وجه حق لهم – ما يعني انهم يقرون اليوم في "8 اذار" ان ما اعطي لهم سابقا لم يكن سوى نتيجة تسلطهم وابتزازهم الاكثرية السابقة وهنا ايضا الاثبات الاخر على الاحتيال الانقلابي للاكثرية الجديدة.
فان ارادوا التكلم عن الديمقراطية الحقيقية بعيدا عن بدعهم المختلقة – فالديمقراطية تفرض اقرارنا ان اكثرية الناخبين في "14 اذار" ما زالت هي هي رغم استدارة الوزير وليد جنبلاط ووزراء حزبه – لان الكل يعرف اين النواب واين جمهورهم الذي لا يزال جزأ لا يتجزأ من جمهور "14 اذار" – ولان العودة الى النصوص والاعراف الميثاقية التي لطالما قامت عليها التركيبة الوطنية هي التي ترعى التوازنات الحقيقية في المشهد اللبناني الطائفي – ولان احترام الدستور والتقيد بنصوصه لن يكون في مطلق الاحوال لمصلحة غطرسات ومخالفات وانقلابات قوى "8 اذار" التي تطول جردة حسابهم حولها ولا تنتهي فصولا الى الان.
فان كانوا اليوم في "8 اذار" مع الديمقراطية فعليهم ان يقروا بانهم اقتنصوا الحكم والسلطة اقتناصا من ثوار الارز بعدما فشلوا في اقناع الرأي العام اللبناني بمشروعهم طوال 5 سنوات …. هذه هي الحقيقة … فديمقراطيتنا مؤسسات واكثرية تحكم ومعارضة تعارض … فيما ديمقراطيتهم لويا جيرغا على الطريقة العشائرية …
ملاحظة:
"اللويا جيرغا"، عبارة بشتونية -نسبة لقبائل البشتون التي تمثل أغلبية الشعب الأفغاني- الجزء الأول يعني "الكبير أو الموسع" والثاني "اجتماع الصلح أو مجلس المصالحة"، أي مجلس المصالحة الموسع.
فاللويا جيرغا سنة قبلية وتقليد قديم ضارب الجذور في التاريخ الأفغاني وتحديدا في القبائل البشتونية التي تمتد في انتشارها إلى بعض أجزاء باكستان، حيث يجتمع رؤساء القبائل ووجهاؤها السياسيون والدينيون وسواهم للتشاور في حل مشاكلهم المتعلقة بشؤونهم السياسية والعامة، وتقليديا كان يستمر اجتماعهم إلى حين التوصل إلى قرار يتخذونه بالتفاهم والإجماع، من دون تصويت رسمي.
انعقدت اللويا جيرغا مرات كثيرة في التاريخ الأفغاني القديم خاصة عند المنعطفات أو التحولات التاريخية، أبرزها التي عقدت في 1747 حيث اجتمع البشتون واتخذوا من أحمد شاه دوراني مؤسس دولة أفغانستان قائدا لهم.
