#dfp #adsense

الانتفاضة المصرية البيضاء شقيقة الانتفاضة الإيرانية الخضراء!

حجم الخط

وفجأة اكتشفتُ عٌشّاقاً "غير مألوفين" للحرية والديموقراطية في لبنان وسواه من هنا إلى البعيد الأعجمي بمناسبة الانتفاضتين في تونس وفي مصر. فجأة اكتشفت شغفاً غير طبيعي بالتظاهرات "السلمية" التي اندلعت في "انتفاضة الياسمين" وفي ميدان التحرير عند حلفاء "دكتاتوريات الحزب الواحد"!

رائعّ كأنها مشاعر غير مسبوقة لم نعهدها عند أناس من خريجي أقبية الأجهزة (عندنا) ومن جامعات العنف، ومن المعاهد "الدكتاتورية" العربية والأعجمية، ومن صُروح الاستبداديات التي لم تترك شيئاً لشعوبها، لا حرية، ولا خبزاً، ولا اقتصاداً، ولا كرامة ولا هواء ولا أنفاساً، لتحوّل أوطانها سجوناً كبيرة يُزّج بها كل من يرفع صوته أو يهمس أو يعارض أو ينتقد، أو يُشتبه بأنه يفكر في أن يحتج من ناس ومن أحزاب ومن مثقفين، تحت ظل ما يُسمى نظام الحزب الواحد، والقائد الواحد، والمرشد الإلهي الواحد الوحيد الأوحد. هؤلاء الذين تواطأوا مع كل الذين "أمّوا" هذه البلاد من وصايات استبدادية واحتلالات ومع كل الذين برّروا الفظائع والمجازر، والقتل التي مارستها الأنظمة والأحزاب والمنظمات. وها هم الذين يُعادُون كِلَّ أمل في الحرية والديموقراطية في لبنان، يهللون لهؤلاء الشبان (الرائعين طبعاً) الذين ينتفضون في مصر من أجل الحرية، ففي لبنان ممنوع عليهم التفكير لا بالاستقلال ولا بالحرية ولا بأي أثر من أثارهما، ليعوضوا بالترحيب بثورة الشبان في بلاد النيل.

هؤلاء أنفسهم اتهموا أكثرية الشعب اللبناني المنتفضة سلمياً عبر 14 آذار بالعمالة أي اتهموا أكثر من نصف الشعب اللبناني بالخيانة . هؤلاء ووراءَهم "أبواقهم" الإعلامية (يا ليتكم تُمتِّعون الآذان والعيون بمانشيتات "الحرية" المفاجئة في منابر الوصايات المحلية)، شوَّهوا كل ما هو حي وجميل في نفوس الشبان عندنا، في تلك التظاهرات المليونية. فهُم في لبنان يعتبرون النضال من أجل الديموقراطية عمالة. ويعتبرون النضال من أجل العدالة خيانة. ويعتبرون أن الانتخابات النيابية بدعة وضلالاً. فهم في لبنان عبيد للدكتاتوريات الخارجية. وهم بالنسبة إلى ما يجري في مصر "أحرار".. مع الاحرار! الله. الله! ولو تسمع أو تشاهد شاشات هؤلاء "بقمصانها السود" وهي تهلل لانتفاضة تونس ومن ثم مصر، لتساءلت: هل الذين تآمروا على الدولة، ومؤسساتها، ويحولون اليوم لبنان ساحة للوصايات الاستبدادية وللمرتبطين مالاً وعقيدة ورأياً وموقفاً وسلاحاً وهل الذين سرقوا الأكثرية النيابية بالتهديد والوعيد (لحماية قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز) يريدون أن يسرقوا أيضاً انتفاضة الشبان في مصر، وثورة الياسمين في تونس؟ سرقة بسرقة. تاريخهم نهب بنهب. عنف بعنف. والمضحك ان هؤلاء وقفوا ضد ثورة الأكثرية الشعبية الخضراء في إيران، وأيدوا التزوير في الانتخابات الأخيرة، وحرّضوا على قمع المنتفضين في إيران، وزجهم في السجون وقتلهم واتهامهم بالعمالة لإسرائيل: تأملوا ان أبطال "الوصايات" عندنا صفقوا لاتهام نظام ولاية الفقيه (العادل والشجاع والحكيم!) مؤسسي الثورة الإيرانية الأصليين أمثال كروبي والموسوي وخاتمي ورفسنجاني… بالخيانة! فأي ثورة هذه يصبح "مؤسسوها" الكبار خونة وعملاء لإسرائيل وأميركا!

ولماذا لا يكون كذلك منْ تبقى في السلطة ضمن هذه المواصفات! فالذين يُخوّنون أمثال هذه القيادات التاريخية الإيرانية المنتفضة والتي تمثل أكثرية الشعب، أغريب عليهم أن يُخوّنوا الأحرار والمنتفضين في لبنان أو كل من يعارضهم القول والفعل والرأي؟

والأجمل، والأدهش ان تصل الأمور بهؤلاء الذين "يخترعون" "كل يوم انتصاراً وهمياً ينسبونه إلى أنفسهم "ومن وين بدنا نجبلكن كل يوم نصر إلهي: ربما نفذتْ جُعبة الآلهة من انتصارات تمطرها عليكم) أن يُوحوا وكأن انتفاضة الشبان في مصر مرتبطة بشعاراتهم الزائفة، بل يكادون يوحون وكأنهم هم وراء هذه الانتفاضة (!) بل وهم الذين نظموا تجمعاتها (!) وأكاد أقول هم الذين افلتوا المساجين والمعتقلين بعمليات طرزانية ورمبوية… وفرانشكتانية!

لكن ما نوّد ان نقول لهؤلاء (خريجي أقبية الأجهزة والأنظمة الدكتاتورية) أن ما جرى في تونس ومصر متأثر تأثيراً كبيراً بينبوعين: ثورة الشعب الإيراني الأخيرة في مواجهة الاستبداد "الإرشادي" وفي رفض تزوير الانتخابات. وكلنا تابع التظاهرات السلمية "الخضراء" تتدفق بمئات الألوف في شوارع طهران، وبأي وحشية قُمعت، وبأي بربرية شاهنشاهية متجددة ضربت، وكيف أن الحرس الثوري والجيش والقوى الأمنية قطعت خطوط البث في الأنترنت؛ وكلنا شاهد كيف تصرف المنتفضون بهذا القدر العالي من الحضارية والسلمية والشجاعة، إزاء جنون نظام ولاية الفقيه.

هذه الانتفاضة الإيرانية الديموقراطية التي واكب فصولها الناس في كل العالم، اختزنتها قوى التغيير والحرية وانطبعت صورها في الذاكرة كمثال يحتذى سواء في تونس أو في مصر. ولا نظن ان الانتفاضتين في هذين البلدين استوحتا ممارسات نجاد او المخابرات أو استبدادية النظام. على العكس: هذه الانتفاضة، هي جزء من مناخ جديد يهب على المنطقة، وقد افتتحته الثورة الخضراء في إيران، وثورة الأرز في لبنان. إذاً من الصعب ان نفرق بين ما يجري في مصر، وبين هاتين الظاهرتين في كل من لبنان وإيران. ونظن أن الطريقة التي اتبعت لمحاولة وأد التحركات في إيران ، هي ذاتها التي اتبعت في لبنان: التخوين، العنف، القمع، التهديد، استخدام السلاح، الترويع، القتل: الأساليب ذاتها. ونظن أنه اذا كانت هناك امتدادات بين انتفاضة 14 آذار، والثورة الشعبية الإيرانية. فهناك امتدادات موازية بين الذين قمعوا التحركات في إيران وبين الذين يمارسون القمع في لبنان: بل ان هناك وشائج فكرية، وميدانية وأمنية بين نظام الولي الفقيه وبين حزب الله: وهذا ليس جديداً لا على اللبنانيين ولا على الشعب الإيراني؛ ولا عن البعيد ولا عن القريب.

ونظن أن هذا التهليل المريب من قبل هؤلاء (الممتهنين لعبة الاستبداد) يشبه مثلاً التهليل للحوثيين في اليمن لتقسيم البلاد ويشبه التهليل بسقوط صدام حسين ولاستيلاء إيران على العراق، وكذلك التهليل بحركة انفصال حماس عمّا تبقى في فلسطين لتكريس تقسيم التقسيم من دون أن ننسى التغلغل في بعض بلدان الخليج لإشاعة "الفوضى الخلاقة" هذه المقولة العزيزة على الأميركيين والإسرائيليين. فكأن ما عجزت عن فعله إسرائيل تكاد ينجح فيه النظام الإيراني من محاولة تفكيك الأمة العربية، وضرب العروبة. وتخريب الوشائج وإثارة النعرات السياسية والمذهبية. واللافت إنه حيث يتم خراب أو تخريب في الإنجازات الثقافية والفكرية والسياسية في المنطقة تكون إيران هناك. وهي لا تتردد لتحقيق أهدافها هذه في التحالف مع أي كان: تحالفت إيران مع أميركا لتخريب العراق وتقسيمه وتأجيج الصراع المذهبي فيه. وهنا في لبنان تتحالف مع بقايا النظام الأمني لضرب الدولة ووحدة البلاد والديموقراطية والتعددية بسلاح مريديها وورثة "أفكار" نظامها النيرة المضيئة الشعشاعة.

وهنا نلاحظ ومن دون تساؤل هذه المرة: إذا كان الأميركيون كما يقال وراءَ ما جرى في تونس لتجديد النظام على حساب قياداته، وكذلك في مصر، وإذا كانت أميركا تقف إلى جانب الانتفاضتين (عبر الجيش) وتطالب بإصلاحات ديموقراطية مباشرة وانتقال السلطة بمرونة وسلاسة… فلماذا لا يتهم 8 آذار وعلى رأسهم حزب الحرية والديموقراطية والكرامة الإلهية المنتفضين هناك بالعمالة لأميركا.. كما اتهموا جمهور 14 آذار؟ وكيف يمكن أن تلتقي الأنظمة التي توجه 8 آذار وأميركا في كل من ثورة الياسمين، وثورة الشباب المصري؟ (واستطراداً كيف أيد بتوع 8 آذار المحكمة الإسرائيلية الأميركية التي أعدمت صدام حسين وفي العراق… ويرفضون المحكمة الدولية هنا والتي يعتبرونها إسرائيلية أميركية: في العراق مقبولة وفي لبنان مرفوضة: من أي كل هذه المصالحة والمصالح بين الشر المطلق.. والخير "المطلق"؟).

نحن نعرف جيداً، الفضاء الثقافي والشارع السياسي في تونس، كما نعرف جيداً طبيعة النظام السابق لترددنا على تونس منذ أكثر من 35 عاماً. وكنّا نتحسس عمق الاستبداد هناك، واختزان الشعب عميقاً لوقائعه وممارساته. وفي المقابل نحن نعرف جيداً الفضاء الثقافي والشارع السياسي في مصر، لترددنا عليها منذ عام 1968 وكنّا في تجوالاتنا في المدن والشوارع وفي لقاءاتنا مع المثقفين والسياسيين ومتابعاتنا نستشعر عنف ما يتراكم ويتفاعل في ضمير الناس. لكن ما يجب أن نلاحظه أن النظام المصري، وبرغم الفساد وآليات الحكم الأمنية والتزوير كان يتميز عن "أنظمة" المنطقة القريبة والبعيدة بتوفر هامش تعددي سياسي فيه. ففي حين لا نجد "معارضة" ظاهرة ، في الصحف والتعابير والأفكار في عدد من "الاستبداديات" العربية والأعجمية (أقصد إيران) فإننا، ومن خلال الأحزاب القائمة في بلاد النيل، مساحة وأن نسبية أو محددة لحرية التعبير وللتظاهر. ولا أظن أننا لاحظنا في بعض هذه البلدان من يصرخ بسقوط قائدها أو رئيسها أو حتى نظامها، لا هنا ولا هناك. ولم نعثر على أي جريدة مثلاً لتنتقد هذا الرئيس أو ذاك أو حتى تمسه بوردة! والغريب أن بعض هذه الأنظمة الدكتاتورية بامتياز، والتي جوفت مجتمعاتها المدنية وأعدمت آلياتها الديموقراطية، تصرخ عبر أبواقها (عندنا! يا للروعة) "فليسقط الدكتاتور فليسقط مبارك" أو تسمي الرئيس المصري "الطاغية" وتستنكر لجوء بعض الأجهزة المؤيدة للرئيس المصري بالاعتداء على "المتظاهرين السلميين في ميدان التحرير" وهم لا عندهم معتصمون سوى في السجون، أو في المعتقلات، أو في دار البقاء… الأبدية، من دون أن نغفل زجهم كل الأصوات الثقافية والنقابية والسياسية المعارضة في عتمة الأقبية ليتعرضوا للتعذيب بأحدث أساليبه وأفظعها! والأغرب أن احد وزراء ولاية الفقيه في إيران أيّد المعتصمين المصريين من أجل الحرية والديموقراطية واستنكر باكراً "أمس" القمع البوليسي الذي تعرض له هؤلاء! في الوقت الذي يطالب كل من المعارضين الرائعين ككروبي وموسوي بالسماح للمعارضة الإيرانية بالتظاهر، مشيرين إلى آلة القمع الرهيبة التي يقمع بها الولي الفقيه وربيبه الرئيس نجاد والحرس الثوري (استثماراته المالية خارج إيران تبلغ مليار دولار، باعتبار أنه يستغل ويصادر كل المفاصل الاقتصادية). ومصرحين أي كروبي وسواه (في جرائد الخميس الماضي) بأن النظام أعدم 300 شخص في إيران بينهم عدد كبير من المعارضين: نظام الإعدام والقتل الإلهي يساند تحركاً شعبياً سلمياً مدنياً من أجل الديموقراطية. رائع! ومع هذا فأبواقهم الإعلامية والمسلحة في لبنان وفي الخارج تصب الزيت على النار، محاولة إيصال الأمور في مصر إلى نقطة اللا عودة، إلى ما يشبه غزة والضفة (وهم وراء التقسيم هذا) ويحرضون المصريين على بعضهم، ويدفعونهم إلى الاشتباك في ما يشبه بدايات حرب أهلية (أو ليس هذا ما فعلوه في لبنان!) . ها هم أعداء الحرية والمجتمعات المدنية يحاولون مصادرة ما جرى في تونس وما يجري في مصر، بعدما توصلوا في لبنان إلى سرقة الديموقراطية بالتهديد وبنشر غلمانهم ذوي قمصان العار السود(لتخويف الناس والأطفال)، لكن مهما فعلوا، فإنهم لم يخترقوا لا انتفاضة الياسمين في تونس (وعبثاً حاولوا بالطرق الشتى) ولا الانتفاضة البيضاء في مصر، انتفاضة الشباب في وجه الأنظمة التوتاليتارية العسكرية والأمنية والإلهية. فمجرد وجود هؤلاء الشبان في ميدان التحرير (لم نسمع أو نقرأ أي شعارات لا عن هذه المقاومة المنتهية مدتها عندنا، ولا عن حماس ولا حتى عن أي مسألة الصراع العربي الإسرائيلي. فأولوية هؤلاء اليوم التغيير من اجل الحرية والديموقراطية ولا نظن أن جماعة 8 آذار (إعلاماً وسياسة) ومن راءهم، يقنعون الناس بأنهم يؤيدون حقاً أهل الحرية والديموقراطية. فالمتواطئ مع الأنظمة القمعية هو آخر من يصدقه الناس عندما يحاضر عن الإنسان، والحقوق المدنية والثورات السلمية البيضاء!

والمتابع إعلام 8 آذار وامتداداته "الجزيرية" في الخارج لا بدّ أن يتساءل: لماذا هذه الجماعة المرتبطة بجهات أبعد ما تكون عن الديموقراطية، تهلل للمطالبين بها في كل من تونس ومصر. الجواب بسيط: أن الأنظمة التي تغذي هؤلاء بإعلامهم (الديموقراطي!) هم على خلاف مع النظامين في كل من تونس ومصر. أي انهم كانوا ضمن أحلاف ومشاريع مناقضة لأحلاف النظامين ومشاريعهما. ولو كان مَنْ وراء 8 آذار على اتفاق مع الرئيس حسني مبارك، لكانوا اتبعوا في تعاملهم مع الانتفاضتين في مصر ما اتبعوه في تعاملهم مع ثورة الأرز. لكانوا اتهموا هؤلاء الأخيرين بالعمالة لأميركا (خصوصاً وأن لأوباما دوراً في مجاراة الانتفاضة إنقاذاَ للنظام على حساب الرئيس مبارك بحسب تصريحاته وإلحاحه على نقل السلطة فوراً بدون فترة انتقالية!).

إذاً استغلال، وتحريض والكيل بمكاييل وليس بمكيال واحد. وتناقض. ومحاولة اختراق للانتفاضات العربية (أو تشويهها كما جرى في لبنان) لإحداث "فوضى خلاقة" وشروخ في الجسر العربي، وتزوير الصورة البيضاء النقية لهؤلاء المحتجين على القمع والبنى التوتاليتارية. والفاسدة. ولا نظن أن الناس يمكن أن يصدقوا ان من أتهّم أكثرية الشعب اللبناني المنخرط في انتفاضة 14 آذار السلمية، بالعمالة، وبالخيانة، هو الذي يؤيد انتفاضتين طلعتا من نموذجين باهرين: الانتفاضة الإيرانية بزعامة المناضلين كروبي والموسوي وخاتمي، وانتفاضة الأرز!

عسى أن يحافظ هؤلاء "الديموقراطيون" الجدد من اتباع الدكتاتوريات التوتاليتارية الموصوفة على مواقفهم هذه.. عندما تقرع أجراس الانتفاضات ما تبقى من هذه الأنظمة التي باتت تخشى ان تنتقل عدوى الحرية إلى فضاءاتها المحبوسة!
عسى! عسى! وأن غداً لناظره قريب . ولا أعرف لماذا صرت أحب لعبة "الدومينو"!
إنها رائعة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل