ما كان الانقلاب في حاجة الى معالي سليمان بك فرنجية لتأكيده، أو إعطائه صدقية مكرّمة. بل هو منذ لحظاته الأولى، يحمل في ذاته أجوبة واضحة عن كل سؤال.
غير ان الذي جاء به فرنجية في حديثه المتلفز، كان أكثر وضوحاً وبياضاً ونصاعة من كل عُدّة الغسيل وجلي الصحون.. فهو حدد، من دون أي مواربة أو لف أو دوران، الأهداف الأساسية الفعلية للانقلاب، والأجندة المطلوب من الرئيس المكلف "الإشراف" على تنفيذها، من دون أي اجتهاد، بل من دون أي تحفّظ، قد يُطلق عليه البعض صفة "الوسطية" أو "الإجماع الوطني"، أو ما شابه من مصطلحات تمويهية. حتى ذلك المصطلح الخاص بـ"حفظ ماء الوجه" غير مستحب. المياه مقطوعة والحنفية ناشفة.
والغريب، ان اللغة التي حكى بها فرنجية لم تترك شيئاً يمكن للرئيس المكلف ان يتغطى به: في أول جلسة لمجلس الوزراء نريد أن نحيل ملف الشهود الزور على المجلس العدلي. وقطع العلاقة بالمحكمة هو شأن الحكومة، لا مجلس النواب ولا طاولة الحوار. واللواء أشرف ريفي والعميد وسام الحسن ومعهما سهيل البوجي.. ثم مجلس الإنماء والإعمار وهيئة الإغاثة، الكل في دائرة الاستهداف. وكأنه يقول (أو بالأحرى يبلّغ) الرئيس المكلف، قبل أي إنسان آخر، انه جاء لتغطية تنفيذ ما هو مقرر وليس ليقرر أو يجتهد أو يبدأ في لعبة الحسابات الشخصية. حتى هذه، نحن ندلّك عليها. ونعرفها أكثر منك "تتحالف مع فيصل كرامي وتنسى أحمد كرامي"، واترك جانباً عواطفك وأخلاقك الحميدة، وغيّر آلة الجمع والضرب والطرح والقسمة التي تحملها. فنحن الذين نجمع ونطرح ونضرب ونقسّم. والنتيجة الأخيرة للامتحان عندنا وليست عندك أو عند أحد سواك، وهي معروفة سلفاً!
لماذا التعب والعتب واصطناع الغضب؟ من أول الطريق وليس من نصفه ولا من آخره: حكومة الانقلاب لا تعني إلا اسمها، 20 وزيراً للمعارضة من أصل 30. والباقون: لا شيء اسمه حياد، ولا شيء اسمه تكنوقراط، ولا شيء اسمه وزراء رئيس الجمهورية، أي بمعنى آخر وأخير 30 من 30، وحساب الآخرين صفر مكعب سيترجم لاحقاً من خلال إجراءات تكميلية في "القانون"؟!
..واضحاً وعنيفاً كان فرنجية ولم يستطع كبح جماح نفسه عن شيء. حكى عن "فضائل" اميل لحود المعروفة التي يعرفها الآخرون جيداً، لكن ان حكوها لا تُقبض لانها آتية من أخصام.. فرنجية حكاها كما هي وقدّم عيّنة سريعة عن طبيعة أخلاق من ترأس الجمهورية لتسع سنوات، وتزلزلت الأرض من أجل قيادته الاستثنائية"! بعد ذلك، حكى عن جميل السيد وكيف انه عمل مخبراً عند السوريين، يُرسل إليهم تقاريره التي كادت تخربط علاقة البيك بهم، لكن ذلك لم يتحقق لحسن الحظ!
في المحصلة العامة، كان متوتراً فيما يُفترض منطقياً ان يكون مرتاحاً (؟) وكان غير مهموم بحفظ شكليات دور الرئيس المكلف فيما يفترض ان يلمّعها ويبهّرها لاعانته بين بني قومه (؟) وكان غير متكلف في طرح الشروط فيما يفترض ان يلوّن تلك الشروط لأن البحث فيها منوط أيضاً بالرئيس المكلف.. بل لم يكن متحفظاً في الحكي والنظرة الى رئيس الجمهورية ودوره فيما يُفترض ان يُظهر عكس ما يُضمر. والذي يضمره بالنيابة عن كل حلفائه هو ان الانقلاب على الرئيس سعد الحريري لا يكفي (؟) والفرصة قد لا تتكرر!؟
من أول المطاف والطريق وليس من الآخر: حتى دور الطربوش يخضع لشروطنا قال فرنجية. وانتهت المقابلة. عفواً انتهت اللعبة. وشكراً.