كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار":
الاختلاف على حجم الحصص الوزارية وتوزيع الحقائب السيادية والخدماتية طائفياً ومذهبياً وسياسياً بين اطراف قوى "8 اذار" ليس إلا ما ظهر من رأس جبل الجليد بين هذه المكونات التي لا يجمع بينها سوى صداقتها للعاصمة السورية وتالياً للادارة السورية للملف اللبناني، اضافة الى الخصومة الشديدة لقوى "14 اذار" وتحديداً مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، على ما تقول اوساط قيادية في "14 اذار"، والتي تعتبر ان نقاط الخلاف بين مكونات تحالف "8 اذار" اكثر بكثير من نقاط التلاقي وخصوصاً بين "التيار الوطني الحر" وزعيمه العماد ميشال عون، والمكونات الحزبية الاخرى، والخلاف في رأيها لا يقتصر على المقاعد كما يجري اليوم في غمرة هجمة الاستيزار، بل يطول مسائل اساسية منها قانون الانتخاب، والهيئة العليا لالغاء الطائفية السياسية وصولاً الى صلاحيات رئاسة الجمهورية التي تعدّ ابرز موقع مسيحي متقدم في بنية النظام اللبناني الدستوري، وتكاد ان تشكل ضماناً للحضور المسيحي في الدولة.
يبدو الكلام على قانون الانتخاب مبكراً جداً قبل فراغ الرئيس نجيب ميقاتي من تشكيل حكومته ووضع مسودة بيانها الوزاري الذي ستحكم بموجبه خلال المرحلة المقبلة. ولكن استناداً الى الاجواء التي تشيعها اوساط قوى "8 آذار" فان فك ارتباط لبنان مع المحكمة الدولية والتخلي تالياً عن كل التزاماته المالية والعدلية امر مفروغ منه ويحتل سلم الاولويات، وسيكون محط اختبار لمدى قدرة الرئيس ميقاتي على التحرك بعيداً عن خط المسار الذي تشتهيه قوى "8 اذار" التي اقامت الدنيا ولم تقعدها في وجه سعد الحريري وخيّرته بين المحكمة او الاستمرار في الحكم، فكان ان اختار وحلفاءه المحكمة. لكن مشروع قانون الانتخاب ليس اقل اهمية، فمناقشة هذا الملف امر عسير ويحتاج الى مداولات وتقسيمات واعداد طويل لكي تتمكن قوى "8 اذار" من تأمين الفوز في انتخابات 2013 وتالياً ازاحة قوى "14 اذار" من طريقها نهائياً، مع السعي الى ابعاد ممثلي المعارضة (14 آذار) عن ساحة البرلمان.
قانون الانتخاب
لـ"التيار الوطني الحر" رؤيته ومقاربته لقانون الانتخاب، فقد عاد العماد عون بعد اتفاق الدوحة الى بيروت وقبل انتخابات 2009 ليبشّر بأنه تمكن من الفوز بالقضاء دائرة انتخابية، ونسب الفضل في ذلك الى مساعيه ونشر لوحات اعلانية "عون رجع الحق الى اصحابه"، بما معناه انه تمكن من اعتماد القضاء دائرة انتخابية، الامر الذي يشكّل مطلباً للمسيحيين الذين يشكون هضم حقوقهم في الدوائر الانتخابية الموسعة ومصادرة تمثيلهم بحيث ينتخب المسلمون السنة والشيعة نحو نصف عدد النواب المسيحيين. وقال عون انذاك جملته الشهيرة: "لقد حررنا ثماني دوائر انتخابية". لكن موقف عون هذا كان يصح عام 2009، وما يحكى اليوم في دوائر الاكثرية الجديدة في "8 اذار" يتناقض تماماً مع هذا الطرح، وقد اخذ الكلام المتداول يشير الى الرغبة في اعتماد الدوائر الموسعة التي تراوح بين المحافظات في شكلها الحالي او الاقضية الموسعة حيث يحكى عن مشاريع لتقسيم محافظة جبل لبنان دائرتين جنوبية وشمالية، واعادة بيروت دائرة واحدة ونسج تقسيمات اخرى في البقاع والشمال والجنوب بما يؤدي الى استعادة منطق المحادل واللوائح الكبرى تحت عناوين النسبية وما الى ذلك بهدف التخلص من الفارق الضئيل بين الاقلية والاكثرية وتأمين اكثرية ساحقة الى جانب خيارات "8 آذار" في الانتخابات الرئاسية المقبلة. والسؤال يختصر بالبحث عما اذا كان عون لا يزال متمسكاً بخيار الدائرة الصغرى ام انه اصبح تماماً في صف الاحزاب التي ترى مصلحتها في الدوائر الكبرى تأميناً لهيمنتها، وخصوصاً ان خشية النائب وليد جنبلاط وتحفظاته عن الدوائر الكبرى تسقط حتماً المحادل جبلاً وبقاعاً وفي بيروت.
الغاء الطائفية السياسية
المسألة الخلافية الثانية بين عون وحلفائه في "8 اذار" قد تكون في تشكيل الهيئة العليا لالغاء الطائفية السياسية، وخصوصاً ان "التيار الوطني الحر" يقدم نفسه مدافعاً اصولياً شرساً عن المسيحيين، ومصالحهم الآنية والاستراتيجية، ورغم ذهاب قلة من نواب "التيار الوطني" في مسالك سياسية وعقائدية تختلف عن التوجهات المعلنة لـ"التيار الوطني" في الدفاع عن المسيحيين، سيكون العونيون في موقع صدامي مع طرح الغاء الطائفية السياسية الذي يبادر اطراف اساسيون في "8 اذار" وتحديداً الرئيس نبيه بري الى التذكير به في كل مناسبة، وخصوصاً عند الحديث عن تطبيق اتفاق الطائف، بدليل ما جرى ابان الحديث عن تسوية الـ"س – س" حيث بدا ان ثمة من ادرج مشروع تشكيل الهيئة العليا لالغاء الطائفية السياسية في بنود الاتفاق دون الاخذ برأي الطرف المسيحي الشريك في الوطن. ووجه الخشية لدى اطراف كثر ان طرح موضوع الغاء الطائفية السياسية قد يكون مدخلاً لنسف المناصفة التي نص عليها اتفاق الطائف وتشريع الباب امام المثالثة في ظل استقواء الشيعية السياسية بالسلاح واعتدادها بتفوق ديموغرافي على مكونات التنوع اللبناني الاخرى، وهو امر لم تثبت صحته حتى اليوم.
المسألة الخلافية الثالثة بين عون وحلفائه في "8 اذار" ستكون على استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية، وخصوصاً ان زعيم "التيار الوطني الحر" يطمح الى رئاسة جمهورية بصلاحيات ما قبل اتفاق الطائف الذي رفضه، وهذا ما يحظى بموافقة عدد من القوى المنخرطة في مشروع "8 اذار" ومنها الوزير السابق وئام وهاب الذي صرح تكراراً انه مع استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية. وهذه العودة الى صلاحيات الرئاسة قد تعني الكثير في حسابات "التيار الوطني" الذي لم يسقط من حساباته الوصول الى رئاسة الجمهورية تحت شعار استعادة حقوق المسيحيين.
يبقى الكلام – الخلاصة لاوساط "14 آذار" ان كل نقاط الخلاف هذه تتوقف عند حدود الادارة السورية للملف اللبناني والتي تستعيد تدريجاً هيمنتها على مجريات الامور في لبنان، واستطراداً فإن خلافات الحلفاء في "8 اذار" ومصالحاتهم ستبقى دائماً تحت المظلة السورية ورعايتها للوضع الناشئ.