#dfp #adsense

“المستقبل”: ثلاثة ثوابت لا بد منها في تشكيل الحكومة العتيدة

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في صحيفة "المستقبل": أياً كان شكل الحكومة العتيدة ومضمونها، سياسية أو تكنوقراطية أو مختلطة، وأيا كانت الغايات والأهداف المناطة بها أو التي تراد منها، لا بد من القول انه، في ضوء التجربة التي مر بها لبنان بعد ما يسمى "اتفاق الدوحة"، تقتضي الحاجة أن تتخلص هذه الحكومة من عدد من العيوب التي أثقلت كاهل الحكومتين السابقتين (حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وحكومة الرئيس سعد الحريري) وجعلتهما تدوران في حلقة مفرغة على امتداد أكثر من عامين، وهي كما يأتي:

أولاً، الخلاص نهائياً من المقولة التي رددها بعض أقطاب المعارضة السابقة، وخصوصاً بعد "اتفاق الدوحة"، من أن الدستور اللبناني في فترة ما بعد "اتفاق الطائف"، وفي ضوء ما نص عليه من وضع السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء مجتمعاً، يفترض تشكيل حكومات وحدة وطنية يشترك فيها الجميع على قدم المساواة وبشكل دائم.

فهذه المقولة، فضلاً عن كونها غير واقعية وغير عملية، تنتهك الدستور اللبناني نفسه، على قاعدة أن مجلس الوزراء معني باحترام الدستور لجهة ثوابت العيش المشترك بين مكونات الشعب اللبناني، فضلاً عن أنه مسؤول عن قراراته وأعماله أمام رئيس الجمهورية الراعي الأول للدستور، وفق النص الصريح، وأمام مجلس النواب الذي يمثل الشعب بفئاته وأطيافه المختلفة كلها.

هذا لا يعني الغاء احتمال تشكيل حكومة وحدة أو شراكة وطنية، خصوصاً عندما تقضي حاجة البلاد تشكيل مثل هذه الحكومة، لكنه يعني حتماً أن ذلك مجرد خيار تفرضه ظروف البلاد الخارجية أو الداخلية وليس "فرض واجب" كما ذهب البعض الى القول علنا في فترة سابقة.

ثانياً، اسقاط ما يسمى "الثلث الضامن"، أو "الثلث المعطل"، للأسباب المعروفة والتي تتصل مباشرة بانتهاك مثل هذه الهرطقة للنظام البرلماني الديموقراطي الذي يفترض وجود موالاة ومعارضة، سواء في مجلس النواب نفسه أو في ما يتعلق بدوره في اعطاء الثقة للحكومة أو حجبها عنها، ولاحقاً في مراقبتها ومساءلتها ثم محاسبتها على ما تقوم به باعتبارها سلطة تنفيذية مسؤولة أمامه.

هذا من حيث المبدأ، الا أنه على صعيد ما شهده لبنان من الحكومتين السابقتين، ومن وصف بعض الوزراء لأنفسهم بأنهم "معارضة" داخل الحكومة وممارستهم عملهم على هذا الأساس، بدا بشكل لا لبس فيه أنه لم يعد منطقياً ولا معقولاً بعد الآن تكرار تجربة "التعطيل المتعمد" للحكومة من داخلها، أياً كانت الأسباب لتشكيل مثل هذه الحكومة ولعملية التعطيل بدورها.

وفي ما يتعلق بحاجة بعض قرارات مجلس الوزراء، في شؤون محددة، الى ثلثي الأصوات وليس الى النصف زائداً واحداً كما هي العادة في الشؤون الأخرى، فلا حاجة الى القول ان النص الوارد في الدستور لهذه الجهة يعني أن الثلثين هذين هما الضمانة لمصالح مكونات الشعب اللبناني وطوائفه وليس الثلث الباقي الذي يطلق عليه زوراً وصف "الثلث الضامن" الذي لم يستخدم سابقاً ولا يبدو أنه سيستخدم في أي يوم الا باعتباره "الثلث المعطل" للحكومة ولعملها.

فلم يكن في ذهن المشرع، عندما فرض التصويت بالثلثين على مقررات تتعلق بقضايا محددة اعتبرت مصيرية بالنسبة الى مكونات الشعب اللبناني، الا أن الغاية من النص هي الحيلولة دون احتمال "توافق" مكونين على مصالح المكون الثالث، وليس أبدا تحصين هذا الثالث بما يمكنه من تعطيل عمل السلطات، ان في الحكومة أو في مجلس النواب، ومنعها من اتخاذ قرارات ترى أنها في مصلحة أطياف الشعب اللبناني على تنوعها.

ثالثاً، اخراج جميع أنواع المساومة الرخيصة على عدد الحقائب ونوعيتها من التداول، سواء كانت "البضاعة" المتداولة من نوع الحديث عن الأكثرية الشعبية في مقابل الأكثرية النيابية، أو تمثيل الكتل في الحكومة بما يوازي عدد الأعضاء المنضوين فيها، أو من نوع تمسك كتل نيابية بعينها بالاستيلاء على حقائب وزارية بعينها، ثم تحديد أشخاص بعينهم من دون سواهم لتوليها.

ذلك أنه قد يكون مفهوماً، بل هو مفهوم بالطبع، أن يسعى رئيس الحكومة المكلف الى تمثيل كتل نيابية في حكومته توفر للحكومة نسبة تأييد عالية في أثناء التصويت على الثقة بها في مجلس النواب، ثم طريقة عمل مريحة في ما تتخذه من قرارات، الا أن الرضوخ لمنطق تلك المساومات وآلياتها أثبت في الحكومتين السابقتين، وسيثبت من دون شك في أية حكومة، أن محصلته شلل عمل الحكومة أكثر من أي شيء آخر.

وقد يكون مفهوماً كذلك، خصوصاً بعد ما أحاط بطريقة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، أن يسعى الرئيس المكلف الى توسيع القاعدة السياسية والتمثيلية والشعبية لحكومته من خلال ارضاء أكبر عدد ممكن من الكتل والتيارات، وربما "رد الجميل" لمن سماه في أثناء الاستشارات الملزمة، الا أن ما يتمناه الحريصون على النظام البرلماني الديموقراطي، وعلى الخروج من النفق المظلم الذي أدخلت فيه مسلماته (العيش المشترك، والديموقراطية التوافقية، والتمثيل الطائفي في الحكومة ومجلس النواب) هو العمل على تنظيف الحياة السياسية مما علق بها من مثالب، بل ومن خطايا مميتة، في المرحلة الرديئة السابقة، وليس التغاضي عنها لتتحول فيما بعد الى ما يشبه سوابق أو مسلمات طالما أراد البعض البناء عليها للمستقبل.

من نافل القول ان الظروف الاستثنائية في أي بلد، وظروف لبنان الآن استثنائية بالفعل، قد تضطر صاحب القرار الى بعض التنازلات خصوصا لمن يملك القوة على المطالبة بها أو حتى على فرضها، لكن ما لا تجوز التضحية به مهما كانت قساوة الظروف، ومهما كانت الرغبة في تخطيها لدى صاحب القرار، هو أساس النظام البرلماني الديموقراطي اللبناني… على علاته.

أما السبب فبديهي جدا بقدر ما هو بسيط جدا: ان أي اخلال بالنظام اللبناني هذا، لن تكون نتيجته الا تحويل عصبيات اللبنانيين، الطوائفية والمذهبية والقبلية والعائلية والمناطقية، الى ما يشبه كانتونات ذاتية الهيمنة والحكم.. ولكن هذه المرة، من داخل مؤسسات الدولة كلها بما فيها مجلس الوزراء ومجلس النواب.

ليس المراد هنا القول ان بعض القوى السياسية والحزبية والطائفية اللبنانية تدفع قدماً، ومنذ فترة ليست قصيرة، في هذا الاتجاه، بل الهدف لفت نظر رئيس الحكومة المكلف ـ وتالياً رئيس الجمهورية المعني مباشرة بتشكيل الحكومة ـ الى هذه المخاطر الداهمة.
 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل