#dfp #adsense

الموارنة من لبنان إلى الفاتيكان… تاريخ ورسالة

حجم الخط

تحتفل الطائفة المارونية بعد أيام بعيد شفيعها القديس مارون، وقد بات هذا العيد عيداً وطنياً مع مشاركة أركان الدولة والحكم وعلى رأسهم رئيس الجمهورية اللبنانية في احيائه سنوياً منذ الاستقلال وحتى اليوم وصار جزءاً من تقليد لبناني يعكس مكانة هذه الطائفة الاصيلة والعريقة وصاحبة الدور التأسيسي للكيان اللبناني…

وبعد أسابيع يقام في باحة الفاتيكان في روما إحتفال رفع وتكريس تمثال القديس مارون إلى جانب تماثيل القديسين والابرار المسيحيين الآخرين على أرض عاصمة الكثلكة في العالم، ويتقاطر آلاف اللبنانيين من كل أصقاع الارض لحضور هذا الاحتفال الاستثنائي الذي أراده قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر والكرسي الرسولي التفاتة خاصة تكريمية وتقديرية للطائفة المارونية في لبنان والعالم ولمؤسسها وشفيعها القديس مارون. وهذا الاحتفال الكبير الذي سيتقدمه الرئيس العماد ميشال سليمان على رأس وفد رسمي وشعبي كبيرين يؤكد مرة جديدة الارتباط التاريخي والعلاقة الحميمة بين الكنيسة المارونية والكرسي الرسولي التي بدأت قبل اكثر من 500 عام عندما انخرطت الكنيسة المارونية المشرقية في سلك الكنيسة الكاثوليكية الأم وأصبحت جزءاً عضوياً منها. وكان هذا الارتباط نقطة التحول الجذري في مسيرة الكنيسة المارونية وسبباً اساسيا من اسباب نهضتها الدينية والروحية والثقافية، حتى تحولت مركز إشعاع ديني وحضاري في الشرق ومركز جذب واستقطاب لبقية الكنائس والاقليات المسيحية في المنطقة. فأصبحت الكنيسة المارونية تضطلع بدور قيادي بين كنائس الشرق الاوسط في وقت يقوم الموارنة بدور اساسي وفاعل في إعلاء البنيان اللبناني وفي تأكيد دور لبنان وحضوره المميز في المنطقة.

احتفال ازاحة الستار عن تمثال مار مارون في ساحة الفاتيكان كواحد من القديسين الرواد في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية حدث كبير ومهم في تاريخ الكنيسة وله معان كثيرة ومعبرة والتحضير له بالتعاون مع السفارة اللبنانية في الفاتيكان وعلى رأسها السفير جورج خوري الذي حول السفارة " خلية نحل " تعمل ليل نهار من اجل القيام بأفضل التحضيرات لهذا اليوم المميز في تاريخ لبنان، إضافة إلى سلسلة احتفالات ومناسبات لبنانية شهدتها حاضرة الفاتيكان منذ ثلاثة عقود لقديسين وطوباويين ومكرَّمين من لبنان، وتوجت بالسينودس الخاص من اجل لبنان.

احتفالات ومناسبات أظهرت كم ان الطائفة المارونية غنية وزاخرة برجالات وطاقات وابعاد روحية وحضارية، وكم جذورها ضاربة في التاريخ ومناخاتها عابقة بالقداسة والقيم. احتفالات ومناسبات كرّست دور لبنان الذي هو أكثر من وطن فهو رسالة كما قال قداسة الحبر الاعظم الراحل يوحنا بولس الثاني خلال زيارته المقدسة للبنان.

وانها لمفارقة تبعث على السرور والافتخار ان يكون البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير شاهداً على هذه الحقبة الذهبية من تاريخ العلاقة بين الكنيسة المارونية والفاتيكان منذ نحو خمسة وعشرين عاماً، وان يكون الكاردينال صفير متصدراً بطاركة وكرادلة الشرق الكاثوليك ومتمتعاً بثقة واحترام وتقدير الكرسي الرسولي، ليس فقط لموقعه الديني على رأس الكنيسة المشرقية وخصاله الإيمانية والشخصية، وانما ايضاً للدور القيادي والوطني الذي تولاه في اصعب الظروف واحلكها. وليست مبالغة الدعوة إلى ان تكون محطات ومناسبات هذا العام الدينية في بيروت والفاتيكان مناسبات تكريمية إضافية للبطريرك صفير لما قدمه من جهود وتضحيات في سبيل استقلال لبنان وسيادته وقراره الحر ووحدته الوطنية وعيشه المشترك والواحد.

فلولا البطريرك صفير لما كان اتفاق الطائف الذي اوقف الحرب وارسى دعائم الوفاق الوطني وحفظ الصيغة اللبنانية. ولولاه لما انجزت المصالحة التاريخية في الجبل وعاد المسيحيون إلى ارضهم وقراهم وعاد الجبل إلى ذاته.

البطريرك صفير أدرك صعوبة المهمة والمسؤولية الملقاة على عاتقه وكان في مستوى التحدي والمرحلة الاصعب في تاريخ لبنان. عرف كيف يصمد في وجه كل الضغوط ويظل قوياً ومتماسكاً صلب الارادة عنيداً في الحق… وعرف كيف ينسحب ومتى يسلم الامانة. كان قوياً في موقعه وممارسته لمسؤولياته، وقوياً وحكيماً عندما قرر مغادرة سدة البطريركية لتقدمه في السن وافساحاً في المجال امام غيره… وفي هذا القرار الشجاع أعطى البطريرك صفير عبرة وامثولة ليس فقط لرجال الدين وانما لرجال السياسة واهلها بأن شغل أي دور وموقع لا يكون لمدى الحياة ولا يكون بالتوريث، وان التنحي لا يحصل فقط لأسباب المرض والعجز، وان تداول السلطة والمسؤولية هو في صلب واساس التجدد والتقدم وحيوية المجتمع والمؤسسات الدينية والوطنية.

البطريرك صفير كان رجل مواقف ورجل مؤسسات. حيث ساهم في " مأسسة " مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك وتفعيل دوره عبر لجان أسقفية متخصصة، وهو الذي جعل من مجلس المطارنة الموارنة مؤسسة فاعلة لها الدور والحضور والموقف على الصعيدين الديني والوطني… وهو من أعاد الرابطة المارونية إلى دورها واهدافها بعدما عصفت بها التجاذبات والخلافات السياسية وابعدتها في بعض الاحيان عن مسارها الاساسي والصحيح. والبطريرك صفير هو من أطلق ورعى مؤسسة الانتشار الماروني برئاسة الوزير ميشال إده الرجل الوطني والعامل دائماً للخير العام فلا تعرف يمناه ما تفعله يسراه هذا الجندي المجهول الذي نتمنى من الله عز وجل ان يطيل بعمره ويعطيه الصحة ليبقى على رأس هذه المؤسسة الفاعلة والتي نحن بأمس الحاجة إليها، هذه المؤسسة التي تضم خيرة ابناء المجتمع الماروني اصحاب اياد بيضاء في مجتمعاتهم وبيئاتهم والساهرين دوماً على هواجس ابناء جلدتهم والعاملين بتضامن ومحبة وتضحية ودون حساب لتقوية الروابط المارونية والمسيحية واعلاء شأن الوطن، مؤسسة اثبتت في فترة وجيزة قدرة فائقة على التخطيط والتنفيذ وإقران القول بالفعل واتباع طرق ووسائل علمية وعملية في مقاربة الملفات والقضايا المارونية، ما مكنها من تحقيق انجازات سريعة وملموسة، لا سيما على صعيد الهدف الاساسي المتمثل في اعادة ربط الانتشار اللبناني بالوطن الأم، وفي اعادة جمع "الشتات الماروني" وتنظيم طاقاته وشده إلى وطنه، وحث الموارنة والمسيحيين على الارتباط بوطنهم وعدم فك عرى الانتماء اليه والتفاعل معه عبر كل الوسائل والطرق، بدءا من تسجيل اولادهم وحفظ جنسيتهم وحقوقهم اللبنانية، مروراً بزيارات دورية إلى لبنان، وصولاً إلى الاستثمار فيه وتجديد العلاقة معه والولاء له بحيث اصبحت مؤسسة الانتشار الماروني مثالاً يحتذى به ويجب تعميمه على كل الطوائف المسيحية الاخرى…

وفي هذه المناسبة وأقولها بحسرة وقهر حبذا لو ان الاحزاب السياسية المارونية تحذو حذو مؤسسة الانتشار الماروني على كل الصعد وتبدي المصلحة الوطنية العليا عل كل المصالح الخاصة والذاتية، فيكون قادتها واعين لمسؤولياتهم مترفعين عن الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية والسياسات الانانية، متحلين بالمحبة والصدق والتواضع وروح المصالحة والتسامح وخدمة مجتمعها. والاهم من كل ذلك ان يقلعوا عن مشاريع الزعامة الدائمة والمتوارثة وان يخلوا مواقعهم عندما يلزم الامر ويعرفوا ان ينسحبوا وكيف ومتى، ويعرفوا ايضاً ان الشعب يحاسب ويسائل… فإذا تلكأ الشعب فإنهم مسؤولون أمام الله والتاريخ.

وفي النهاية نصلي ونضرع إلى القديس مارون شفيع الطائفة المارونية في عيده ولمناسبة تكريمه قريباً في الفاتيكان ان يلهم القيادات المارونية عموماً والمسيحية خصوصاً إلى المحبة والتصالح ويعيد لم شملها ويهديهم على الطريق الصحيح لما فيه خير ومصلحة المسيحيين فيعود الدور المسيحي الفاعل في لبنان ويزول الاحباط السائد والخوف على المستقبل والمصير ويرجع الشباب المسيحي المميز واللامع والذي يقود كبرى المؤسسات العالمية في دول العالم والذي هاجر بفعل الحروب العبثية في ارضه ووطنه.
ألم يقل سيدنا والهنا يسوع المسيح:

فَإنْ تغفروا للناس زَلاَّتهم يغفر لكم ابوكم السماوي، وان لم تغفروا للناس لا يغفر ابوكمْ زلاتكم.
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل