#dfp #adsense

ثورة أبناء “دولة”؟

حجم الخط

لا تشكل "الثورة المصرية" الجارية منذ 25 كانون الثاني الماضي عقدة نقص للبنانيين الذين يؤمنون، على اختلاف فئاتهم، انهم تناوبوا على ثورات وفق مفاهيم كل فئة منهم ومعاييرها بل وثقافتها "الثورية" بتناوب حقبات ازمتهم.

ومع ذلك، وبعد دخول الثورة المصرية يومها الرابع عشر، باتت معاينة يوميات المعتصمين في ميدان التحرير في القاهرة، تسمح بابراز الكثير من التمايزات والخصائص التي تفرض على سائر الاتجاهات اللبنانية، كونها معنية اسوة بسائر العرب بالانشداد الى هذا الحدث التاريخي، ان تتخلى عن "شوفينيتها" التقليدية والاعتراف للمصريين كشعب بتحليه بمستوى حضاري ومتمدن حقيقي ربما فاجأ كثيرين.

ذلك انه يبدو سخيفا جدا وسطحيا للغاية ذلك "التزريك" البلدي الذي استهوى البعض في النظرة الى الثورة المصرية من باب العداوات الداخلية اللبنانية، وكأن لبنان لا يزال يرتع وحيدا في "اسطورة" قدرته المتحررة على الثورة والانتفاض.

الاهم بكثير من ان يستقطب اللبنانيين لانفسهم مادة حداء جديدة في الثورة المصرية، هو النظر بتمعن الى الفرد المصري الذي لا تقارن احواله البائسة عموما حتى باحوال اقرانه البؤساء اللبنانيين او سواهم من العرب.

هؤلاء المعتصمون يكادون يحققون مأثرة تاريخية ليس في اسقاط الرئيس حسني مبارك، على اهمية ما يعنيه هذا الهدف بالنسبة اليهم، وانما ايضا في ثورتهم "الغاندية" المدنية السلمية بالدرجة الاولى. فعلى "مقياس" 80 مليون نسمة يقال ان ما يفوق الخمسة ملايين منهم ينامون في مقابر القاهرة، ولم يسقط قتلى وجرحى الا في صفوفهم سحابة 13 يوما، فهنا تماما يسجل "الشعب" المصري مأثرته.

يضاف الى ذلك، ان هذا الشعب يثبت يوميا انه "ابن دولة" حتى في ثورته اي ان انفجاره تحت شدة الظلم والفقر والكبت واستباحته المديدة بالفساد، لم تجعله يسقط "ثقافة" الدولة لديه بدليل انه هو من يستجير بجيشه ويطلب حمايته ولا يتعامل معه كأداة للنظام بل لحماية الناس. وحتى الجيش المصري، المصنف عاشرا بين اكبر جيوش العالم، ما كان ليقوى على الامساك بناصية التوازن بين الشعب والنظام لولا انه استهاب ضرب ثورة مسالمة غاندية.

يسلط بعض الفضائيات الاوروبية بذكاء اعلامي متمايز حتى عن الاعلام العربي المعني مباشرة بالحدث، الضوء على يوميات المعتصمين كجماعات وافراد. ومن بينهم الاطباء الشباب والنشطاء الذين يعملون على توفير المؤن والمأكل والدواء وسائر حاجات المعتصمين. تبرز هذه الصورة الجانب الذي يهز تماما في عمق الثورة. هؤلاء قلبوا الاولويات الشائعة واسقطوا كل المفاهيم المتكلسة التي اورثها التسييس المزمن لقضايا الانسان وحقوقه في هذه البقعة من العالم. الانظمة التي رفعت لواء الصراع العربي – الاسرائيلي منذ عقود وضربت تحت لافتته كل ما يمت الى حقوق ناسها ودمرته وقمعته، سواء كانت انظمة "معتدلة" ام انظمة "ممانعة"، لا تختلف عنها في لبنان استباحة حقوق اللبنانيين في الاستقرار والرخاء والديموقراطية المكتسبة والسيادة الناجزة ونظافة الدولة والكف والنظام والمجتمع مهما تحاذق الساسة اللبنانيون وضحكوا على عقول الناس. في الثورة المصرية يصنع المصريون اولوياتهم بدءا بحقوق الانسان ولا تعلو عليها اي اولوية اخرى حتى تلك المتصلة بالصراع القومي او بلون النظام، لان لا قومية ولا لون ولا من يحزنون مع كل هذا الطوفان المخيف المذهل للغضب الداخلي المعتمل.

اليس ما يثير السخرية فعلا ان يتنافس الغرب وعدوته ايران على "ابوة" الثورة بعد انفجارها؟ أوليس مدعاة للاعجاب بوطنية الشعب المصري ان يلفظ الدجل الدولي والتوظيف الاقليمي ولا يأبه بصمت القبور لدى الانظمة العربية او بغلاة المزايدين والمنظرين من زوايا مصالحهم وحساسياتهم على ما تفيض قرائحهم عندنا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل