#dfp #adsense

لا خوف على مصر…ولبنان أمام فرصة جديدة!

حجم الخط

لا خوف على <أم الدنيا> مصر من المخاض الديمقراطي العسير الذي تخوضه منذ أسبوعين، سعياً لتغيير هوية النظام السياسي، وفتح صفحة جديدة في الممارسة الديمقراطية التي شوّه قواعدها أركان الحزب الوطني الحاكم·
لا خوف على قاهرة المعز من ثورة الشباب، التي هدمت جدار الخوف، واخترقت حواجز القمع، ورفعت الصوت عالياً مطالبة بالتغيير والتحديث وحرية التعبير·

لا خوف على دور مصر، ولا على الأمن والاستقرار في قلب العروبة النابض، طالما بقي الجيش المصري على نبضه العروبي، وطالما بقي أبطال 6 اكتوبر على وفائهم ومحبتهم للشعب الذي يحتضن الجيش الوطني، ويبادله الحب والوفاء·

وإذا كان لا بدّ من تحية إكبار وإعجاب بقيادة الشباب، التي تخوض غمار تجربة ثورية شعبية غير مسبوقة في الوطن العربي على الأقل، فإن المرحلة العصيبة التي تجتازها مصر الحبيبة، تفرض على القيادات المصرية، الرسمية والحزبية والشبابية، التحلّي بأقصى درجات ضبط النفس من جهة، وبأكبر معايير الحكمة والتعقل، طالما أن الهدف أصبح واضحاً وحاسماً: انتقال هادئ ومنظّم للسلطة·

* * *
رغم كل الصخب الأميركي المبالغ في الحديث عن دعم حركة التغيير في مصر، فإن تعقيدات انتقال السلطة تحتاج الى الكثير من العناية والدقة، تجنباً لحدوث فراغ دستوري، لا يُساعد الدستور الحالي على معالجته في المسار الديمقراطي الذي يرغب فيه الشباب المحتجين في ميدان التحرير، فضلاً عن ضرورة التنبه إلى منع البلاد والعباد من الانزلاق إلى صراعات دموية يكون محورها السباق بين الأطراف المتنافسة للإمساك بالسلطة·

فالمسألة لا تنتهي عند تنحي الرئيس حسني مبارك عن الرئاسة، بقدر ما تشكّل مثل هذه الخطوة مفصلاً تاريخياً يضع الوضع المصري أمام شتى التداعيات المدمرة، إذا لم يتم الإعداد للحظة التنحي في إطار خطة متكاملة تؤمن انتقال السلطة إلى عهد جديد تطوي بداياته صفحة العهد الحالي الذي استمر زهاء ثلاثة عقود من الزمن·

ولعل حداثة تجربة الشباب في هذا العمل القيادي، وحرص قيادات المعتصمين في ميدان التحرير على تمييز مواقفهم عن قيادات أحزاب المعارضة التقليدية من اخوان وناصريين ويساريين وإصلاحيين، لعل ذلك يشكّل عائقاً حالياً أمام وصول الحوار الذي يقوده اللواء عمر سليمان حالياً مع قيادات المعارضة إلى خواتيمه السعيدة في التوافق على خطوات وبرنامج المرحلة الانتقالية التي لا بد منها، إذا كان هناك من حرص على إتمام التغيير المنشود في أجواء هادئة، منظمة ودستورية·

ويبدو أن قيادة الجيش التي تتمتع بثقة النّاس وبالتزام وطني مشهود، والتي ساهمت في اختيار سليمان ودعمه في منصب نائب الرئيس، وتكليفه هو، لا رئيس الحكومة، مهمة الحوار مع المعارضة، ما زالت على احتضانها لحركة الشباب، ولكن مع ترجيح خيار الانتقال الدستوري والهادئ للسلطة، ولو اقتضى الأمر بقاء الرئيس حسني مبارك في قصر العروبة أسابيع أخرى·

والسؤال الذي يشغل أهل الرأي والنخبة في القاهرة: هل يُقدّم الجيش الضمانات اللازمة لقيادات الشباب لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في الحوار مع عمر سليمان حول إجراءات انتقال السلطة: تعديل الدستور، إلغاء نتائج الانتخابات الأخيرة، حل مجلسي الشعب والشورى، وطبعاً خروج الرئيس مبارك من الرئاسة عند توقيت محدد؟·

الواقع أن شباب ميدان التحرير لا يثقون بوعود السلطة الحالية، ولا يعترفون بشرعية الحكومة الحالية، فضلاً عن المخاوف التي تراود معظمهم عن احتمال اعتقالهم من قبل أجهزة الأمن والشرطة الموالية للرئيس مبارك، وذلك بمجرد خروجهم من ساحة الاعتصام في ميدان التحرير!·

* * *
متابعة الحدث المصري وتطوراته اليومية، لم تُشغل اللبنانيين عن ترقب ورصد حركة الاتصالات التي يجريها الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة العتيدة، التي تتناقض التكهنات في وصف تركيبتها، وتحديد ألوانها·

وسواء أكانت التركيبة تكنوقراط مصغرة، أم سياسيو – قراطية موسّعة، وسواء اقتصرت على أطراف 8 آذار وبعض المستقلين، أم شملت ممثلي 8 و14 آذار، فإن ما يهم اللبنانيين هذه الأيام هو الحفاظ على هذا الاستقرار رغم هشاشته، وعلى إبقاء الخلافات السياسية داخل المؤسسات الدستورية، رغم استنزافها في سياسة التعطيل والتوتير أيام الحكومة السابقة، وأن تبقى لقمة العيش اليومية بعيداً عن أدوات الضغوط في التنافسات المحتدمة بين الأكثرية الجديدة والمعارضة المنتقلة من مقاعد الموالاة!·

وفضلاً عن أن وضع البلد لا يحتمل المزيد من المواجهات البهلوانية، والمزيد من الإجراءات الكيدية ضد رموز إدارية مشهود بكفاءاتها ونظافتها، فإن أمام لبنان فرصة جديدة لاستعادة مكانته المالية والاقتصادية في المنطقة، في حال نجح في ترسيخ عوامل الاستقرار، في مرحلة تهب فيها <عاصفة هوجاء على دول الشرق الاوسط>، كما بشّرتنا منذ أيام خليفة كونداليزا رايس في الخارجية الاميركية: هيلاري كلينتون·

إن انتقال كرة النار التي تحمل شعار الديمقراطية من بلد إلى آخر في المنطقة، يعني أن العديد من الدول العربية، وقد تكون معها دول أخرى في الإقليم، معرّضة لمرحلة من عدم الاستقرار، واهتزاز أوضاعها الداخلية، الأمر الذي يدفع بالرساميل الاستثمارية والودائع المالية إلى البحث عن ملاذ آمن، يؤمّن السرية المصرفية من جهة، ويحمي أصحابها من أية تدابير عقابية، أو ملاحقات قضائية، على نحو ما حاصل حالياً في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من تجميد ودائع ومصادرة أصول لسياسيين ورجال أعمال تونسيين بحجة انتمائهم لعهد زين العابدين?بن علي·

والمسألة هنا لا تتعلق باستعجال تشكيل <حكومة كيفما كان> أو <حكومة اللون الواحد وبمن حضر>، فتأليف الحكومات كان يحتاج أشهراً في السنوات الأخيرة، ولا بدّ للرئيس المكلف أن يأخذ الوقت الذي يراه مناسباً لاستكمال مشاوراته، والبلد الذي بقي بلا رئيس للجمهورية بضعة أشهر، يستطيع البقاء بلا حكومة بضعة أسابيع على أمل التوصل الى تشكيل الحكومة الجامعة والقادرة على الإنتاج والإنجاز·

على أن النقطة الأهم هنا تبقى في الحفاظ على هدوء الشارع بعيداً عن ضغوط المظاهر المسلحة، وبمنأى عن تحريك المظاهرات التي تستغل بعض المطالب العمالية المحقة·

المهم إفساح المجال أمام الحركة الاقتصادية لاستيعاب ما يمكن أن يسفر عنه الزلزال السياسي في المنطقة من نتائج اقتصادية ومالية غير مباشرة، على الدول المعنية، وذلك بتكريس الوطن الصغير ملاذاً آمناً، وموطن جذب للاستثمارات الباحثة عن الاستقرار في إقليم مضطرب!·
 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل